ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..أَمْرٌ قَدْ أُجْهِضَ بِلَيْلٍ

أَمْرٌ قَدْ أُجْهِضَ بِلَيْلٍ

ناطق نيوز -كتب الدكتور جعفر المعايطة

قَبْلَ أَيَّامٍ شَاهَدْنَا أَزْمَةً مُفْتَعَلَةً عَلَى حُدُودِنَا الْغَرْبِيَّةِ عَلَى جِسْرِ الْمَلِكِ حُسَيْنٍ، وَمَا شُوهِدَ هُوَ جَوْهَرُ الرِّسَالَةِ الْحُدُودِيَّةِ، وَحَسَبَ فِقْهِ الْوَاقِعِ الْحُدُودِيِّ هُوَ الْتِفَافٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ لِلْعَامَّةِ، وَلَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَعْلُومِ لِأَصْحَابِ الْاِخْتِصَاصِ حَوْلَ إِشْعَالِ مَكَائِدَ وَمَصَائِدَ الْفِتْنَةِ. 
لَقَدْ فَشِلَتِ الْغِرْبَانُ فِي جَعْلِ الصَّيَّادِ طَرِيدَةً، وَفَشِلُوا أَنْ يَتَصَيَّدُوا فِي مَاءٍ نَضَحَ عَكِرًا وَحِلًّا أُجَاجًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ عَلَى الْمِنَصَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ تَحْتَ الْمِنَصَّةِ، وَلَا يَتَوَرَّعُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْغِرْبَانِ عَنْ بَيْعِ وَطَنِهِمْ يَوْمًا مَا فِي الْمَزَادِ، وَلَكِنْ سَتُشْرِقُ شَمْسُ الْحَقِيقَةِ عَاجِلًا. 
وَعَلَى مَتُونِ ذَلِكَ الْمَقْطَعِ الْمُسَوْشَلِ تَحْدِيدًا رَكِبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَنْدَسِّينَ الْمَوْجَةَ وَالْجُهَلَاءِ وَالْمُؤَدْلَجِينَ وَآخَرُونَ مَجْهُولُونَ لِدَسِّ السُّمِّ فِي الْعَسَلِ وَتَعَاطِي مَا تَمَّ نَثْرُهُ مِنْ إِشَاعَاتٍ إِعْلَامِيَّةٍ وَإِذَاعِيَّاتٍ مُغْرِضَةٍ وَمُزَيَّفَاتٍ مَقْصُودَةٍ وَمُفَبْرَكَاتٍ مَمْنَهَجَةٍ وَإِخْبَارِيَّاتٍ عَفِنَةٍ تَمَسُّ نَزَاهَةَ مَنْ هُمْ فَوْقَ الشُّبُهَاتِ أُمَنَاءَ نَزَاهَةٍ وَأَدَبًا وَتَقَيُّدًا وَضَبْطًا وَرَبْطًا عَلَى حُدُودِنَا جُنْدِيًّا وَشُرْطِيًّا وَأَمْنِيًّا وَحَاكِمًا إِدَارِيًّا. 
وَعَلَى امْتِدَادِ ثَمَانِينَ عَامًا لَمْ تَكُنِ الْأَحْدَاثُ الْحُدُودِيَّةُ لِتُذْكَرَ إِذَا مَا قِيسَتْ بِطُولِ هَذِهِ الْحِقْبَةِ، نَعَمْ قَامَتْ مَنَصَّاتٌ وَمَوَاقِعُ مسوشلةٌ مَأْجُورَةٌ وَأَجْسَامٌ غَرِيبَةٌ مُتَطَايِرَةٌ كَالذُّبَابِ كَرَّسَتْ نَفْسَهَا لِخِدْمَةِ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ وَأَضَافَتْ إِلَيْهَا سُمُومًا جَدِيدَةً وَاسْتَثْمَرَتِ الْحُدُودِيَّةَ فِي بَثِّ سُمُومِ صِرَاعَاتٍ، كَمَا فَعَلَتْ بَعْضُ أَصْوَاتٍ ثعبانية مُتَحَشْرِجَةٍ مَالَتْ بِكَفَّةٍ عَلَى كَفَّةٍ وَانْحَازَتْ لِطَرَفٍ دُونَ آخَرَ وَانْزَاحَتْ بِصُوَرٍ خَرَجَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهَا بِغَيْرِ مُبَرِّرٍ فَطَاشَتْ وَهَاشَتْ وَخَرَجَتْ عَنِ الْمَأْلُوفِ الْوَطَنِيِّ، فِي إِطَارٍ ذَمِيمٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مَشْرُوعًا إِصْلَاحِيًّا بِالْمَعْنَى الَّذِي نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ.

حَاوَلَ الْمُفْسِدُونَ تَجْيِيرَ وَتَقْسِيمَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْمُسَوْشَلَةِ إِلَى شُعُورٍ وَمَشَاعِرِ الذِّئْبِ وَالْحَمَلِ، وَتَدَاوَلَ الْكَثِيرُ خُرَافَةً وَسَخَافَةً وَوَهْمَ وَاقِعَةٍ هِيَ أَصْلًا بِلَا وَاقِعَةٍ لِغَايَاتِ اسْتِهْدَافٍ وَاسْتِنْقَاصٍ وَاقْتِنَاصِ شَرَفِ الْمِهْنَةِ الْحُدُودِيِّ إِشْعَالًا لِفَتِيلِ فِتْنَةٍ تَهْدِمُ وَتُشَوِّهُ صُورَةَ التَّعَامُلِ مَعَ نَاظِمَةِ الْقَانُونِ وَضَابِطَةِ الْعَدْلِ الْحُدُودِيِّ وَالسَّوَاعِدِ الْعَدْلِيَّةِ وَالتَّشْهِيرِ بِهِمْ كَخَصْمٍ، وَلَا سِيَّمَا تَحْرِيضٌ وَإِظْهَارُ الطَّرَفِ الْآخَرِ الْمُسْتَفِيدِ مِنَ الْخِدْمَاتِ الْحُدُودِيَّةِ لِيَظْهَرَ بِمَثَابَةِ الضَّحِيَّةِ، وَأَخَذَتِ الْقَضِيَّةُ الْفَاسِدَةُ تَسْتَحْضِرُ مَسَارًا آخَرَ وَكَأَنَّنَا نَشُمُّ رَائِحَةَ أَمْرٍ قَدْ أُجْهِضَ بِلَيْلٍ، وَهَذَا كَانَ مُكَرَّرًا مُدَوَّرًا مَمْنَهَجًا مُبَرْمَجًا كُلَّمَا أَمْعَنْتَ فِي قِرَاءَةِ الْحَاضِرِ.

إِنَّ النَّفْخَ فِي أَصْلِ الْفِكْرَةِ إِعْلَامِيًّا مُبَالَغٌ فِيهِ لِخُلُوِّ الْفِكْرَةِ مِنْ أَيِّ فِكْرَةٍ، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُرَّةَ الَّتِي نَعْلُو وَنَسْمُو وَنَتَرَفَّعُ وَنَتَرَقَّى عَنْهَا هُوَ الْخَوْضُ فِي تَفَاصِيلِ سَرَابٍ وَهْمِيٍّ تَمَّ تَوْظِيفُهَا التَّفَاصِيلُ فِي سِيَاقٍ يُحَاوِلُ هَدْمَ أَوْ إِعَاقَةَ أَوْ تَشْوِيهَ الِارْتِبَاطِ التَّارِيخِيِّ بَيْنَ الشَّعْبَيْنِ الشَّقِيقَيْنِ الْأُرْدُنِيِّ وَالْفِلَسْطِينِيِّ مِنْ خِلَالِ خَلْقِ حَالَةٍ مِنَ اللَّاوَعْيِ وَاللَّاعَقْلَانِيَّةِ وَاللَّامَرْكَزِيَّةِ وَاللَّاثِقَةِ وَإِغْرَاقِ الْجُهُودِ وَتَبْدِيدِهَا بَدَلًا مِنْ تَوْحِيدِهَا رَكْضًا وَخِدْمَةً لِأَصْحَابِ الْأَجِنْدَةِ وَالْإِشَاعَاتِ.

لَنْ تَتَوَانَى الْجِهَاتُ الْمُخْتَصَّةُ عَنْ مُتَابَعَةِ جَمِيعِ الْمُلَاحَظَاتِ فِي وَاقِعٍ خِدْمِيٍّ إِصْلَاحِيٍّ، وَسَيَتِمُّ تَفَهُّمُ أَهْلِيَّةِ الْمَطَالِبِ وَحَقُوقِيَّةِ أَصْحَابِهَا شِيبًا وَشَبَابًا رِجَالًا وَنِسَاءً، وَسَتَحَوَّلُ كُلُّ لَحْظَةِ انْتِظَارٍ عَلَى الْجِسْرِ الْحُدُودِيِّ ذَهَابًا وَإِيَابًا إِلَى صَفْحَةِ ذِكْرَيَاتٍ بَيْضَاءَ فِي تَارِيخٍ مُسْتَقِلٍّ وَعَهْدِ احْتِرَامٍ مُتَبَادَلٍ وَكُلِّ مَشْهَدٍ فِيهِ يَعْنِي لِلشَّعْبَيْنِ الْأُرْدُنِيِّ وَالْفِلَسْطِينِيِّ عَهْدًا قَائِمًا بِذَاتِهِ وَلِذَاتِهِ أَدَبًا وَالْتِزَامًا وَاحْتِرَامًا.

غَيْرَ أَنَّ الْمُعْضِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي مَهِيَّةِ حَجْمِ الْخِدْمَاتِ أَوْ شَجَاعَةِ تَطْبِيقِ قَوَاعِدِ اشْتِبَاكِ الْمَعْلُومَاتِ الْحُدُودِيَّةِ، كَلَّا، إِنَّ الْمُعْضِلَةَ الْكُبْرَى هِيَ الْأَثَرُ الَّذِي يَتْرُكُهُ الْهَاشْتَاقُ مَجْهُولُ الْهُوِيَّةِ أَوِ الْبُوستُ الْمُزَيَّفُ فِي نَفْسِيَّةِ أَوْ سُلُوكِ الزَّائِرِ الَّذِي لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى إِجْرَاءَاتٍ أَمْنِيَّةٍ وَشُرْطِيَّةٍ وَإِدَارِيَّةٍ لِصَالِحِهِ…؟ وَلَكِنَّ الْعَهْدَ فِي مَهَارَاتِ وَتَقْنِيَاتِ الزَّائِرِ وَالْمُوَاطِنِ الْفِلَسْطِينِيِّ أَوْعَى مِنْ كُلِّ الدَّسَائِسِ وَالْأَحْقَادِ، وَإِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى سَيَزُولُ الْحَاقِدُ وَسَتَزُولُ أَحْقَادُهُ مَعَهُ وَيُدْفَنُ كَيْدُهُ فِي نَحْرِهِ وَنَحْرِ مَنْ مَعَهُ.

وَسَيَنْهَضُ مِنْ جَانِبِ التُّرَابِ الطَّاهِرِ فِي شِقِّ الْوَادِي جِيلٌ سَنَسْمَعُ ضَحِكَاتِ فَرَحِهِ بِإِقَامَةِ دَوْلَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَاصِمَتِهَا الْقُدْسِ لِتَكُونَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِ الْمُتَاجِرِينَ بِرَوَابِطِ الْأُخُوَّةِ وَالشَّرَاكَةِ بَيْنَ الشَّعْبَيْنِ وَسَيَتَدَفَّقُ مِدَادُ الْأُخُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ الْحُدُودِيَّةِ وَسَتَجِفُّ مَنَابِعُ الدَّسِّ وَالنَّسِّ وَالْفَسِّ الَّذِي يُغَذِّي تِلْكَ الْفِتْنَةَ.

لَمْ تَكُنِ الْحُدُودُ الْأُرْدُنِيَّةُ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَعْبَرٍ يُمَارِسُ صَلَاحِيَّاتِهِ الْقَانُونِيَّةَ وَإِنْ كَانَ هَذَا أَصْلُ الْحُدُودِيَّةِ، بَلْ حُدُودِيَّةُ حِضْنٍ دَافِئٍ، وَكَوَادِرَ ذَوِي وَجْهٍ بَشُوشٍ، وَضَابِطَةٍ عَدْلِيَّةٍ ذَاتِ يَدٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، وَجُنُودٍ ذَوِي رَأْسٍ عَالِيَةٍ، وَجِبَاهِ شُرْطَةٍ نَاصِعَةٍ، وَقَلْبِ إِدَارَةٍ وَاسِعٍ، وَلِسَانِ مُعَزِّبٍ رَحْبٍ مَرِحٍ مَعْسُولٍ، وَنَظْرَةِ أَمْنِيَّةٍ رَحِيمَةٍ، وَإِيمَاءَةِ ضَابِطِ جَوَازَاتٍ خَجُولَةٍ، وَتَقَالِيدِ ضِيَافَةٍ مُضِيَافَةٍ هَاشِمِيَّةٍ، هَذَا وَلِأَنَّ الْمَنْفَذَ الْحُدُودِيَّ شِرْيَانُ الْمُوَاطَنَةِ وَالْوَطَنِيَّةِ.

ثَمَانُونَ عَامًا مِنْ تَقَالِيدِ عَلَى الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ لَنْ تَبْدُوَ وَكَأَنَّهَا رَمْيَةُ حَسَدٍ مِنْ قَوْسِ حَاقِدَةٍ حَاسِدَةٍ جَاحِدَةٍ نَاكِرَةٍ خَاسِئَةٍ، فَلَنْ تُدْمِيَ مُقْلَةَ الْأَسَدِ الْعَظِيمِ بَعْدَ طُولٍ مِنَ الصَّبْرِ، وَمِنْ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ الْحُدُودِيَّةِ تَخَرَّجَ رِجَالٌ وَأَجْيَالٌ لَمْ يَعُودُوا أَفْرَادًا عَادِيِّينَ بَلْ تَحَوَّلُوا إِلَى ظَوَاهِرَ صَنَعَتْ مَجْدًا لِلْبِلَادِ وَأَصْبَحَتْ أَسْمَاؤُهُمْ عَنَاوِينَ فِي تَارِيخِ عَالَمِ الضِّيَافَةِ، فَالْحُدُودِيَّةُ شَهَادَةُ مِيلَادٍ تُنْجِبُ كُلَّ الْأَعْرَافِ الَّتِي عَرَفَهَا التَّارِيخُ الْأُرْدُنِيُّ وَهِيَ(الْحُدُودِيَّةُ) أَغْلَى مَا نَمْلِك .