ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..العَفَنُ الدِّماغِيُّ..تَشخيصُ الدّاءِ

ناطق نيوز-كتب الدكتور جعفر المعايطة

العَفَنُ الدِّماغِيُّ

تَشخيصُ الدّاءِ
المُتَعَفِّنونَ هُم أَكثَرُ مَن يَشرَبونَ ماءَ البَحرِ لِيَتَأَكَّدوا مِن مُلوحَتِهِ، إِنَّها ظاهِرَةُ “العَفَنِ أَوِ العَطبِ الدِّماغِيِّ”، لَيسَتْ مَرَضاً بِقَدرِ ما هِيَ حالَةُ إِدمانِ “السِّكرولِ” Reels – أَي سَحبِ الشّاشَةِ – بِشَكلٍ سَريعٍ لا يَتَجاوَزُ مِن عَشرِ ثَوانٍ إِلى ثَلاثينَ ثانِيَةً كَحَدٍّ أَقصى.
في خِلالِ تِلكَ الثَّواني المَعدودَةِ، يَتَلَقّى المُتابِعُ أَخباراً مُجتَزَأَةً، وَأَحداثاً مَبتورَةً، وَمَعلوماتٍ مُتَراكِمَةً غَيرَ دَقيقَةٍ، وَمَنشوراتٍ مُشَوَّهَةً، وَهَذا ما يُسَبِّبُ “العَفَنَ الدِّماغِيَّ”: أَي تَناثُرَ المَعلوماتِ في الخَريطَةِ الدِّماغِيَّةِ. وَيُمكِنُ القَولُ إِنَّ “العَفَنَ أَوِ العَطبَ الدِّماغِيَّ” هُوَ حالَةُ استِنساخٍ شاذَّةٍ لِلأَفكارِ، مِمّا يُشَظّي دورَةَ الحَرَكَةِ الدِّماغِيَّةِ الطَّبيعِيَّةِ لِلإِنسانِ. وَيَشتَدُّ الخَطَرُ خُصوصاً عَلَى الجيلِ الّذي أَصبَحَ يُعاني صُعوبَةً في رَبطِ السَّبَبِ بِالنَّتيجَةِ، وَاتَّضَحَ عَجزُهُ عَن فِلتَرَةِ الأَخبارِ المُنهَمِرَةِ كَالسَّيلِ الجارِفِ.

العَفَنَةُ الدِّماغِيَّةُ
وَظيفَةُ العَفَنَةِ الدِّماغِيَّةِ هِيَ تَدريبُ النّاسِ عَلَى الوَحشِيَّةِ، وَالقَسريَّةِ، وَالقَهريَّةِ، وَعَزلِ وَإِقصاءِ الآخَرِ كَشَرطٍ أَساسيٍّ لِفَرضِ عَفَنِ مُسَرَّباتِ الحَراكاتِ في المَيدانِ.

خَوارِزميّاتُ التَّعَفُّنِ
نَتيجَةً طَبيعِيَّةً لِإدمانِ السِّكرولِ السَّريعِ، صارَتِ الخَوارِزميّاتُ تَخدُمُ هَذا الإِدمانَ، فَتُقَدِّمُ لِلمُتابِعِ جُرعاتٍ قَصيرَةً مِن مَحتوى مَمنَهَجٍ، بِقَصدِ تَقديمِ وَجبَةِ كَراهِيَةٍ، وَأَحقادٍ، وَضَغائِنَ، مُدَّتُها 10-30 ثانِيَةً، تَستَهدِفُ نَشرَ عَفَناتٍ مَجروحَةٍ، أَو مَنقوصَةٍ، أَو مُضَلِّلَةٍ، أَو مُستَفِزَّةٍ.
وَهَذا ما يُسَبِّبُ تَشَوُّهَ “وَظائِفِ الحَراكِ الدِّماغِيِّ المَعلوماتِيِّ”، فَالعَفَنُ الدِّماغِيُّ هُوَ تَعَوُّدُ الدِّماغِ عَلَى استِنساخِ الجُمَلِ وَالصُّوَرِ المُقَطَّعَةِ السَّريعَةِ بِصورَةٍ ثُعبانِيَّةٍ وَقَذِرَةٍ تَحتَ سِتارِ وَطَنِيَّةٍ وَهمِيَّةٍ، مِمّا يُفقِدُ المُتابِعَ “السِّكرولَر” القُدرَةَ عَلَى رَبطِ الأَفكارِ بِشَكلٍ صَحيحٍ، وَلاسيَّما تَثبيطَ أَو تَكسيرَ بَرنامَجِ “التَّفكيرِ العَميقِ”. فَيَتَحَوَّلُ الدِّماغُ مِن عَقلٍ مُنتِجٍ لِلأَفكارِ إِلى عَقلٍ مُستَهلِكٍ لِلعَفَنِ.

تِرِندُ أُكسفورد 2024
وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الظّاهِرَةِ، اختارَتْ جامِعَةُ “أُكسفورد” مُصطَلَحَ “Brain Rot” أَو “العَفَنُ الدِّماغِيُّ” تِرِندَ عامِ 2024، وَصفاً لِحالَةِ التَّدَهُورِ العَقلِيِّ عِندَ الجيلِ النّاتِجِ عَنِ الِاستِهلاكِ المُفرِطِ لِلمَحتوى الرَّقَمِيِّ التّافِهِ وَالمُحَفِّزِ لِلفِكرِ الخَشِنِ.

سَطحُ شاشَةٍ مُضَلِّلٍ
مِنَ السَّطحِيَّةِ الرَّقَمِيَّةِ إِلى الضَّحالَةِ الفِكرِيَّةِ… إِدمانُ أَدواتِ التَّواصُلِ يَسلُبُ الدِّماغَ قُدرَتَهُ عَلَى التَّركيزِ العَميقِ، وَبِالمُقابِلِ، إِدمانُ خِطابِ الكَراهِيَةِ الّذي يَختَزِلُ قَضايا الوَطَنِ إِلى شِعاراتٍ لا تَتَجاوَزُ 10 ثَوانٍ، يُفقِدُ المُواطِنَ قُدرَتَهُ عَلَى التَّمييزِ بَينَ المَصلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ وَالمُزايَدَةِ اللّامَسؤولَةِ المُوَجَّهَةِ. فَيَتَوَلَّدُ شُعورٌ لَدى المُتابِعِ أَنَّ مُوَجِّهَ هَذا البوستِ وَذاكَ المَنشورِ وَهَذا الهاشتاقِ هُوَ الوَطَنُ، وَهُوَ الوَصيُّ عَلَى الوَطَنِ، وَهُوَ الوَطَنِيُّ الّذي قَلبُهُ عَلَى الوَطَنِ. لَكِنَّ في حَقيقَةِ الأَمرِ، إِنَّ هَذا المَنشورَ أَو ذاكَ هُوَ القَشَّةُ الّتي تَكسِرُ ظَهرَ الوَطَنِ، وَيَحسَبُها المُواطِنُ هِيَ الحَقيقَةَ.

دَورٌ رقمي سَلبِيٌّ
وَهُنا يَبرُزُ دورُ بَعضِ الأَحزابِ وَالتَّيّاراتِ المُضَلِّلَةِ الّتي تَستَثمِرُ هَذا “العَفَنَ”. فَتُغرِقُ الشّارِعَ بِجُرعاتِ عَفَنٍ تَحريضِيَّةٍ يَومِيَّةٍ، مِثلَ عَفَنِ “ثَورَةِ غَضَبٍ”، وَصورَةِ استِفزازٍ عَفِنَةٍ، وَشِعارِ تَأجيجٍ مُعَفَّنٍ. وَتَكونُ النَّتيجَةُ مُواطِناً مُدمِناً عَلَى عَفَنِ سُرعَةِ رَدِّ الفِعلِ، عاجِزاً عَن طَردِ الفِكرِ العَفِنِ الضّارِّ في مَصلَحَةِ وَطَنِهِ.

العَزلُ المُزَدَوَجُ
السِّكرولُ المُفرِطُ “over :Scrolling- Reeling ” يَعزِلُ الفَردَ عَن مُحيطِهِ الأُسَرِيِّ وَالاجتِماعِيِّ، وَعِندَما يَتَجَرَّعُ الخِطابَ العَفِنَ الإِقصائِيَّ، يَعزِلُ المُواطِنَ عَن نَسيجِهِ الوَطَنِيِّ الجامِعِ، فَيُحَوِّلُهُ مِن شَريكٍ في البِناءِ إِلى خَصمٍ وَنِدٍّ في ساحَةِ صِراعٍ لا تَخدُمُ إِلّا أَجِنداتٍ ضَيِّقَةً.

مَعرَكَةُ الوَعيِ الوَطَنِيِّ
إِنَّ المَعرَكَةَ اليَومَ لَيسَتْ مَعَ “السِّكرولِ” وَحدَهُ، بَلْ مَعَ كُلِّ مَن يُحَوِّلُ وَعيَ الشَّبابِ إِلى ساحَةِ استِقطابٍ.
وَمِن واجِبِنا، أَفراداً وَمُؤَسَّساتِ المُجتَمَعِ المَدَنيِّ، أَن نُحَصِّنَ عُقولَ الجيلِ مِن عَفَنِ الخِطابِ المُوَجَّهِ وَالمُضَلِّلِ، لِتَبقى عُقولُهُم وَقُلوبُهُم مُتَيَقِّظَةً، وَبَوصِلَتُهُم نَحوَ البِناءِ لا الهَدمِ.

هُنا تَبدَأُ القِصَّةُ
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ أَنَّ العَدُوَّ الأَوَّلَ لِلوَطَنِ هُوَ عَدُوُّ الحُدودِ، بَلْ إِنَّ العَدُوَّ الأَوَّلَ هُوَ الجَهلُ وَعَفَنُ الحُكمِ الِاستِباقيِّ. فَمَن يُدمِنُ عَلَى تَوجيهِ السِّكرولِ المُمنَهَجِ لِأَجِندَةٍ مَندَسَّةٍ، لا يَستَطيعُ أَن يَكونَ شَريكاً في بِناءِ المُستَقبَلِ.
وَالشَّيءُ بِالشَّيءِ يُذكَرُ: فَإِنَّ المَسيراتِ وَالحَراكاتِ العَشوائِيَّةَ، وَالِاحتِجاجاتِ الفَوضَوِيَّةَ المَجهولَةَ المَرجِعِيَّةِ وَالمَكشوفَةَ البوصِلَةِ، عَلَى صَفَحاتٍ مَجهولَةِ المَصادِرِ، هِيَ سَبٌ مُباشِرٌ في تَعَفُّنِ فِكرِ الجيلِ. مِمّا يَجعَلُهُ يَرى الأَشياءَ مُشَوَّهَةً رَمادِيَّةً بِلَونَينِ: الأَبيَضِ وَالأَسوَدِ فَقَط. فَالخَوارِزميَّةُ الّتي تُبرمِجُ وَعيَ الجيلِ اليَومَ، سَتَكونُ عِبئاً عَلَيهِ غَداً، وَحينَها يَكونُ “العَفَنُ” قَدِ انتَشَرَ وَاستَعصى عِلاجُهُ.

العَقلُ أَمانَةٌ
يَتَأَخَّرُ عِندَها خاصِّيَّةُ “التَّرابُطِ المَعلوماتِيِّ”.
وَيَضعُفُ “الِاستِنساخُ المَنطِقِيُّ” لِلأَحداثِ، وَمِن ثَمَّ تَتَراجَعُ “الحَرَكَةُ الدِّماغِيَّةُ” المَسؤولَةُ عَنِ التَّحليلِ وَإِصدارِ الأَحكامِ. فَيَتَحَوَّلُ المُواطِنُ مِن صاحِبِ رَأيٍ مَبنِيٍّ عَلَى مَعرِفَةٍ، إِلى مُستَهلِكِ انفِعالاتٍ يُحَرِّكُهُ مَنشورٌ، وَيُوَجِّهُ هاشتاقٌ، وَيَقودُهُ خِطابٌ لا يَبحَثُ عَن مَصلَحَةِ الوَطَنِ، بَلْ عَن مَكسَبٍ حِزبِيٍّ، أَو حَراكِيٍّ، أَو تَنظيمِيٍّ عَفِنٍ ضَيِّقٍ يَخدُمُ كُلَّ شَيءٍ إِلّا الوَطَنَ.

إِنَّ شَرَفَ عَقلِ الإِنسانِ لَيسَ مَوضوعاً لِلنِّقاشِ أَوِ المُساوَمَةِ، بَلْ هُوَ ثابِتٌ مِن ثَوابِتِ الحَياةِ.
وَالإِدمانُ الرَّقَمِيُّ المُقتَرِنُ بِالخِطابِ العَفِنِ المُضَلِّلِ قَد أَصبَحَ سَيفاً مُشَهَّراً لِتَعفينِ العَقلِ.
فَالوَطنُ لا يُبنى بِعُقولٍ مُتَعَفِّنَةٍ تَستَقبِلُ، بَلْ بِعُقولٍ واعِيَةٍ مُتَيَقِّظَةٍ تُنتِجُ وَتُحَصِّنُ.