ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..بَسَالَةُ طَيَّارٍ عَسْكَرِيٍّ أُرْدُنِيٍّ

بَسَالَةُ طَيَّارٍ عَسْكَرِيٍّ أُرْدُنِيٍّ 
الطَّيَّارُ الْعَسْكَرِيُّ الْبَاسِلُ

ناطق نيوز- كتب الدكتور جعفر المعايطة
لَا شَكَّ أَنَّ طَبْعَ الْإِنْسَانِ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا بِمَا يَرَى، حَتَّى لَوْ سَمِعَ نَقْلًا أَوْ نُقِلَ عَقْلًا. وَعَلَى رَأْيِ الْمَثَلِ: «الشُّوفُ مَا هُوَ مِثْلُ السَّمْعِ»، وَمِنْ سِرَاجِ الْبُطُولَةِ وَالتَّضْحِيَةِ يَسْتَضِيءُ: كَمْ صُلْبٌ وَمِقْدَامٌ ذَاكَ الطَّيَّارُ الْأُرْدُنِيُّ! فَهُنَاكَ أَلْفُ قِصَّةٍ وَقِصَّةٍ مِنْ قِصَصِ بَسَالَةِ الطَّيَّارِ الْأُرْدُنِيِّ.

صَقْرٌ بَاسِلٌ 
إِنَّ بَسَالَةَ قَوَاعِدِ الِاشْتِبَاكِ الْقِتَالِيَّةِ أَوِ التَّدْرِيبِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّاتِيَّةِ فِي الْمَيْدَانِ عِنْدَ الطَّيَّارِ الْعَسْكَرِيِّ الْأُرْدُنِيِّ مِفْتَاحٌ حَاسِمٌ لِاسْتِدْرَاكِ مَدَى قُوَّةِ الْعَلَاقَةِ مَعَ التُّرَابِ، فَالْوَطَنُ فِي فِهْرِسِ الْجُنْدِيَّةِ لَيْسَ هَامِشَ رِبْحٍ، بَلْ هُوَ رَأْسُمَالٍ يَعْشَقُ مَوَاقِفَ الْأَبْطَالِ عِشْقًا رَابِطًا بَيْنَ مَا مَضَى مِنْ عَقِيدَةِ الْقِتَالِ لِلطَّيَّارِ الْأُرْدُنِيِّ وَمَا يُرْتَجَى مِنْهُ فِي سَاحَةِ الْوَاجِبِ، وَبَيْنَ مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ تَضْحِيَاتٍ عَمِيقَةٍ لِقِصَصِ بُطُولَاتِ نُسُورِ سِلَاحِ الْجَوِّ الْأُرْدُنِيِّ.

نَسْرٌ قِرْنَاسٌ مِغْوَارٌ 
وَهَذَا وَحْدَهُ مَعْلَمٌ كَافٍ. إِذْ أَنَّ هُنَاكَ حَالَةَ عَجْزٍ لِسَانِيٍّ وَبَنَانِيٍّ وَقَلَمِيٍّ عَنْ وَصْفِ تَجَارِبِ الطَّيَّارِ الْأُرْدُنِيِّ الْبُطُولِيَّةِ، الَّتِي بَلَغَ حَجْمُ التَّضْحِيَاتِ فِيهَا عَنَانَ السَّمَاءِ، فَصِنَاعَةُ الْوَطَنِ جَدِيرَةٌ بِتَضْحِيَاتٍ وَبُطُولَاتٍ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ بَسَالَةُ وَشَجَاعَةُ وَأَنَفَةُ الطَّيَّارِ الْأُرْدُنِيِّ، فَتَجْرِبَةُ الْمَيْدَانِ فِي ذَاتِهَا رِسَالَةُ اعْتِزَازٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الشَّعْبِ وَالْجَيْشِ: «شَعْبٌ يَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ» وَ «جَيْشٌ يَسْتَحِقُّ الِانْتِسَابَ وَالِاحْتِرَامَ».

سَرْدِيَّةُ بَطَلٍ شُجَاعٍ 
إِنَّهَا تَضْحِيَاتٌ وَبُطُولَاتٌ وَوَقَائِعُ حَقِيقَةٌ مُتَرَاكِمَةٌ، لَيْسَتْ مِنْ قِصَصِ «أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ» لَكِنَّهَا سَرْدِيَّةٌ أَشْبَهُ بِالْخَيَالِ، بِذْرَتُهَا: «أَلْفُ مِيتَةٍ وَلَا يَقُولُوا جَبَانٌ»، بُطُولَاتٌ لَا تَتْرُكُ لِلْعَوَاطِفِ أَيَّ أَثَرٍ، بَلْ بُطُولَاتُ شُمُوخٍ وَفَخْرٍ، قِصَصٌ وَلُودَةٌ مُتَوَالِدَةٌ مُتَوَالِيَةٌ تُنْجِبُ مَخَاضَاتٍ تُقْرَأُ بِعَيْنٍ فَاحِصَةٍ تُحَلِّلُ مَا وَرَاءَهَا مِنْ سِيَاقَاتٍ بُطُولِيَّةٍ وَأَسْبَابِ تَضْحِيَاتٍ.

مَعَانِي رُوحِ التَّضْحِيَةِ 
وَمَا تِلْكَ الْبُطُولَاتُ إِلَّا إِثْرَاءٌ لِمَعَانِي رُوحِ التَّضْحِيَةِ الَّتِي تُحَوِّلُ أَثَرَ أَلَمِ الْفِرَاقِ إِلَى نُقْطَةِ شُمُوخٍ تَتَرَقرَقُ فِي أَنْفِ وَرَثَةِ الشَّرَفِ، ثُمَّ تُدَوَّرُ وَتُكَرَّرُ تِلْكَ الْبُطُولَاتُ كَجِينَاتٍ إِلَى الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ الَّتِي سَطَّرَهَا الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ، فَإِنَّهَا بِذَلِكَ تُثْبِتُ أَنَّ الْوَجَعَ لَمْ يُتَرْجَمْ إِلَى بَوَاكٍ وَحَسَرَاتٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى لَوْحَةِ الشَّرَفِ.

دَعْوَةٌ لِلتَّأَمُّلِ 
لِلْبَاحِثِينَ عَنِ الْبُطُولَاتِ فَقَطْ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَجْدٍ وَتَارِيخِ مُنْتَسِبِي الْجَيْشِ الْأُرْدُنِيِّ الْبَطَلِ، تَبْقَى ذَاكِرَةُ الْوَطَنِ غَنِيَّةً وَثَرِيَّةً دُونَ انْقِطَاعٍ.

نَقِّي مُحَصٍّ فِي النُّجُومِ 
مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أُسُودَ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ فَلْيَقْرَأْ، فَلْيَبْحَثْ، فَلْيُنَقِّبْ عَنْهَا فَوْقَ السَّحَابِ، فَوْقَ الضَّبَابِ، عِنْدَ النُّجُومِ، بَيْنَ الْغُيُومِ، فِي الْعُلَا، فِي الْعُلْيَا، فِي الْعَلْيَاءِ.

الْأَسَدُ الشَّهِيدُ 
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى قِصَصِ الرُّجُولَةِ وَالْإِبَاءِ وَالتَّضْحِيَاتِ فَلْيَتَمَعَّنْ مُتَمَتِّعًا فِي قِصَّةِ هَذَا الْمَقَالِ، وَقِصَّتُنَا وَبِكُلِّ مَعَانِي الْفَخْرِ وَالِاعْتِزَازِ عَنِ الشَّهِيدِ الْأَسَدِ الْبَطَلِ الْمِقْدَامِ الْمُقَدَّمِ الرُّكْنِ الطَّيَّارِ نَاجِي عَبْدِالْمَهْدِي الْحَبَاشِنَة، مَوَالِيدِ الْكَرَكِ قَرْيَةِ رَاكِينَ 1961.

إِنَّهُ وَفَاءٌ وَإِيثَارٌ 
إِنَّهُ وَفِي صَبَاحِ 24 / 2 / 1999 يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، يَوْمٌ جَسَّدَ فِيهِ الشَّهِيدُ الْحَبَاشِنَةُ أَسْمَى مَعَانِي التَّضْحِيَةِ وَالْإِيثَارِ وَالْوَفَاءِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِثَالًا لِلْخُلُقِ الرُّجُولِيِّ وَالتَّعَامُلِ الرَّفِيعِ وَالْحِكْمَةِ وَالْقَرَارِ الْحَكِيمِ، إِنَّهُ الشَّهِيدُ الْعُنْفُوَانُ نَاجِي الْحَبَاشِنَةُ كَرِيمُ النَّفْسِ، ثَابِتُ الْمَبْدَأِ، صَادِقُ الِانْتِمَاءِ لِوَطَنِهِ وَدَائِمُ الْوَلَاءِ لِقِيَادَتِهِ الْهَاشِمِيَّةِ.

وَحْشُ الْجَوِّ 
الشَّهِيدُ الْبَطَلُ الْحَبَاشِنَةُ، وَقَدْ خَدَمْتُ بِمَعِيَّتِهِ وَهُوَ تِلْمِيذًا مُتَقَدِّمًا لِي فِي كُلِّيَّةِ الْحُسَيْنِ الْجَوِّيَّةِ وَكَانَ يُلَقِّبُنِي «بِالْوَحْشِ»، أَذْكُرُ الشَّهِيدَ الْبَطَلَ الْوَحْشَ، وَحْشَ سِلَاحِ الْجَوِّ الْأُرْدُنِيِّ، وَهُوَ يَأْمُرُ الطَّاهِيَ بِمُضَاعَفَةِ الْوَجْبَةِ لِلتَّلَامِيذِ.

النَّسْرُ الْأُرْدُنِيُّ 
نَسْرٌ مِنْ نُسُورِ الْقِمَّةِ، وَصَقْرٌ مِنْ صُقُورِ الْوَطَنِ، تَرَى فِي عَيْنَيْهِ الشَّجَاعَةَ وَالْحَافِزَ، وَلَمْ يَكُنْ ضَابِطًا عَادِيًّا بَلْ كَانَ أَسَدًا مِقْدَامًا، وَالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ مُدَرِّبَ طَيَّارِينَ فِي كُلِّيَّةِ الْحُسَيْنِ الْجَوِّيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتِ الْأُولَى مِنْ بُطُولَاتِهِ وَشَرَاسَتِهِ، بَلْ هِيَ آخِرُ لَفَتَاتِهِ الْمُشْرَئِبَّةِ مِنْ سِجِلٍّ حَافِلٍ بِشَرَفِ الْإِقْدَامِ وَالشُّمُوخِ.

بُطُولَةٌ نَادِرَةٌ 
إِذْ إِنَّ بُطُولَتَهُ النَّادِرَةَ حِينَ تَعَرَّضَتِ الطَّائِرَةُ التَّدْرِيبِيَّةُ لِخَلَلٍ فَنِّيٍّ طَارِئٍ يَصْعُبُ حَسْمُهُ، فَقَدْ كَانَتْ فُرْصَةُ الْقَفْزِ الْمِظَلِّيِّ وَالنَّجَاةِ وَفُرَصُ الْقَفْزِ مِظَلِّيًّا بِسَلَامٍ مُتَوَفِّرَةً لِلشَّهِيدِ وَمَوْجُودَةً.

اللَّحْظَةُ الْحَرِجَةُ 
لَكِنَّ الْبَطَلَ الْعَظِيمَ وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ وَالْفَاصِلَةِ مِنْ حَيَاتِهِ، وَحَيَاةِ التِّلْمِيذِ الْمُتَدَرِّبِ، وَفِي حَيَاةِ الْوَطَنِ، وَفِي حَيَاةِ الْأَبْرِيَاءِ مَنْ هُمْ تَحْتَ سَمَاءِ طَيَرَانِهِ، فَدَارَ شَرِيطُ التَّضْحِيَةِ وَدَارَتْ مَعَهُ ذَاكِرَةٌ خَفِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ كُلُّهَا تَقُولُ لِلشَّهِيدِ: لَا بُدَّ مِنْ قَرَارٍ، الْوَقْتُ يَنْفُذُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ.

الْوَقْتُ ضَيِّقٌ جِدًّا 
الْوَقْتُ جِدًّا ضَيِّقٌ 30 ثَانِيَةً لِاتِّخَاذِ الْقَرَارِ، وَمَا زَالَ يَمُرُّ طَيْفُ أَهْلِهِ وَزَوْجِهِ وَذَوِيهِ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ، وَمِنْ حَوْلِهِ أَجْهِزَةٌ خَرْسَاءُ صَمَّاءُ لَكِنَّهَا تَهْمِسُ وَتُوَشْوِشُ لِلشَّهِيدِ: اقْفِزْ، أَنْجُ بِنَفْسِكَ، إِنَّهُ حِوَارٌ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، اللَّهُ اللَّهُ .. صُعُوبَةُ الِاخْتِيَارِ

هُنَاكَ اخْتَارَ الشَّهِيدُ دُونَ تَرَدُّدٍ وَدُونَ تَفْكِيرٍ أَنْ يَكُونَ رَمْزًا لِلْإِيثَارِ، إِنَّهُ الْأَمْرُ، فَأَمَرَ التِّلْمِيذَ الْمُتَدَرِّبَ بِالْقَفْزِ فَوْرًا بِالْمِظَلَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِكُرْسِيِّ النَّجَاةِ مُحَافِظًا عَلَى حَيَاةِ التِّلْمِيذِ، إِنَّهَا إِجَابَةٌ نِهَائِيَّةٌ وَأَخِيرَةٌ: «اقْفِزْ»، فِي حِينِ يَحْتَاجُ قَاذِفُ كُرْسِيِّ الْمِظَلَّةِ ejection seat إِلَى 10 ثَوَانٍ لِتَفْعِيلِ مُهِمَّةِ طَيَرَانِهِ وَفَتْحِ الْمِظَلَّةِ فِي الْهَوَاءِ، وَهَذَا وَقْتٌ كَافٍ لِلنَّجَاةِ.

صِرَاعُ الْمَهَارَاتِ 
وَلِيَبْقَى الشَّهِيدُ يُصَارِعُ وَيُطَوِّعُ عَصَا الْقِيَادَةِ فِي قُمْرَةِ الْقِيَادَةِ مُمَارِسًا كَافَّةَ مَهَارَاتِهِ الْفَنِّيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالتَّكْتِيكِيَّةِ مُحَاوِلًا السَّيْطَرَةَ عَلَى الْمَوْقِفِ، جَارًّا مُحَاوِرًا مُعَالِجًا مُمَازِجًا الطَّائِرَةَ.

عِنَادُ الْمُحَرِّكِ 
وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ كُلُّ شَيْءٍ فِي قُمْرَةِ الْقِيَادَةِ إِلَى ضَجِيجٍ وَصَفِيرٍ وَطَنِينٍ وَأَزِيزٍ، فَيَخْذُلُ الْحَدِيدُ الْأَبْكَمُ الطَّيَّارَ، وَيُعَانِدُهُ الْمُحَرِّكُ الْأَصَمُّ، وَتُنَاكِفُ الْمُؤَشِّرَاتُ، وَتَتَنَكَّرُ الْحَسَّاسَاتُ، وَتَمْتَنِعُ الْأَجْهِزَةُ، وَيَشْعُرُ الطَّيَّارُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُمْرَةِ مُنَاكِفٌ مُتَخَاذِلٌ.

قَرَارٌ 
إِذًا لَا بُدَّ مِنْ قَرَارٍ! وَشَهِيدُنَا الْبَطَلُ نَاجِي صَاحِبُ قَرَارٍ، وَلِهَذَا قَامَ الشَّهِيدُ بِكُلِّ شَجَاعَةٍ وَبَسَالَةٍ وَرَبَاطَةِ جَأْشٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، قَامَ بِتَنْحِيَةِ الطَّائِرَةِ مُكْرَهَةً عَنْ مَدِينَةِ الْمَفْرَقِ السَّكَنِيَّةِ مُتَفَادِيًا كَارِثَةً مُؤَكَّدَةً وَخَطَرًا مَحْتُومًا، إِنَّهُ فِي سِبَاقٍ مَعَ الزَّمَنِ، وَسِبَاقٍ مَعَ السُّرْعَةِ، وَسِبَاقٍ مَعَ التَّسَارُعِ، سِبَاقٍ مَعَ الْمَكَانِ، وَسِبَاقٍ مَعَ نَفْسِهِ وَعَقْلِهِ.

لَحْظَةٌ بُطُولِيَّةٌ 
وَفِي اللَّحْظَةِ الْأَشَدِّ حَرَجًا فِي حَيَاتِهِ قَرَّرَ الْبَطَلُ وَهُوَ الْقَائِدُ وَالْكَابْتِنُ أَنْ يُضَحِّيَ بِنَفْسِهِ مُسْتَعِينًا بِقُوَّةِ دَفْعِ جَرِّ الطَّائِرَةِ إِلَى آخِرِ نُقْطَةٍ مُمْكِنٍ إِنْقَاذُ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَإِنْسَانٍ.

لَحْظَةُ صِدْقٍ 
وَعِنْدَمَا كَانَتِ الْفُرْصَةُ لِلِاسْتِقْفَازِ، مَا كَادَ أَنْ يَقْفِزَ مِنَ الطَّائِرَةِ، حَتَّى كَانَتْ قَدْ سَبَقَتْ أَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ لِمُلَامَسَةِ جِسْمِ الطَّائِرَةِ الْأَرْضَ، هُنَاكَ فَازَ الشَّهِيدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ لِيَرْتَقِيَ الْبَطَلُ الشَّهِيدُ نَاجِي الْحَبَاشِنَةُ مُعَانِقًا نَجْمَ الثُّرَيَّا، رَاوِيًا ثَرَى الْوَطَنِ الطَّهُورِ بِدَمِهِ الزَّكِيِّ فِي مِنْطَقَةٍ خَالِيَةٍ بِمَعْزِلٍ مِنَ السُّكَّانِ، بَعْدَ أَنْ جَنَّبَ مَدِينَةَ الْمَفْرَقِ كَارِثَةً مُحَقَّقَةً.

إِرْثُ الشَّهِيدِ 
لَقَدْ تَرَكَ الشَّهِيدُ الْأَسَدُ نَاجِي الْحَبَاشِنَةُ إِرْثًا خَالِدًا مُوَشَّحًا بِمِسْكِ الْعَطَاءِ وَرَيَاحِينِ الشَّجَاعَةِ وَأَكَالِيلِ الْبُطُولَةِ، إِنَّهُ الْبَطَلُ الَّذِي أَنْقَذَ شَرَفَ اسْمِ الْمِهْنَةِ، وَدَافَعَ عَنْ رِفَاقِهِ مِنْ نُسُورِ السِّلَاحِ بِحُرُوفٍ مِنْ نُورٍ فِي سِجِلِّ شُهَدَاءِ أَبْطَالِ سِلَاحِ الْجَوِّ الْمَلَكِيِّ الْأُرْدُنِيِّ، الَّذِينَ ضَحَّوْا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَزَالُ الْأُرْدُنِيُّونَ، وَرِفَاقُ السِّلَاحِ، وَأَهْلُهُ فِي رَاكِينَ وَالْكَرَكِ، يَذْكُرُونَ يَوْمَ وَدَاعِهِ الْمَهِيبَ، يَوْمَ خَيَّمَتِ الدَّعَوَاتُ عَلَى مَقْبَرَةِ رَاكِينَ، حَيْثُ زُفَّتْ أَكُفُّ الضَّرَاعَةِ أَحَدَ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ الشُّهَدَاءِ الْبَرَرَةِ.

حَفٌّ وَزَفُّ الشَّهِيدِ الْبَطَلِ 
وَحَفَّ رِفَاقُ السِّلَاحِ رَفِيقَهُمُ النَّسْرَ جَنَاحَ الصَّقْرِ عَلَى الْأَكْتَافِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ أَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَا يَكُونُ بِالْكَلَامِ بَلْ بِالْفِعْلِ وَالتَّضْحِيَةِ. رَحِمَ اللَّهُ الشَّهِيدَ الْبَطَلَ الْفَذَّ نَاجِي عَبْدِالْمَهْدِي الْحَبَاشِنَةَ، وَتَقَبَّلَهُ فِي عِلِّيِّينَ مَعَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ. الْمَجْدُ وَالْخُلُودُ لِشُهَدَائِنَا الْأَبْرَارِ، الَّذِينَ نَذَرُوا أَرْوَاحَهُمْ لِتَبْقَى سَمَاءُ الْأُرْدُنِّ آمِنَةً، وَتُرَابُهُ طَهُورًا، وَرَايَتُهُ خَفَّاقَةً بِالْعِزِّ وَالْفَخَارِ.

حَمَى اللَّهُ الْأُرْدُنَّ تُرَابًا وَمَلِكًا وَجَيْشًا وَشَعْبًا.