الدكتور جعفر المعايطة يكتب..نَظَرِيَّةُ “بَاقَةُ الوَرْدِ

نَظَرِيَّةُ “بَاقَةُ الوَرْدِ
ناطق نيوز- كتب الدكتور جعفر المعايطة
الأُرْدُنُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُطُوطِ طُولٍ وَعَرْضٍ عَلَى الخَرِيطَةِ، فَحَسْبُ، وَلَمْ تَكُنِ الأُرْدُنُّ يَوْمًا جِدَارًا أَوْ سِيَاجًا حُدُودِيًّا فَاصِلًا عَازِلًا نَاءٍ بِنَفْسِهِ عَنِ الْعَالَمِ، بَلِ الأُرْدُنُّ حَدِيقَةُ سَلَامٍ وَتَرَاصُّ فِكْرَةٍ، وَطَرِيقُ تَضْحِيَاتٍ طَوِيلٍ، وَتَضَامُنُ شَعْبٍ، وَبَيْعَةُ مُلُوكٍ، وَعَلَى رَأْيِ الْمَثَلِ الشَّعْبِيِّ: “نَفَسُ الرِّجَالِ تُحْيِي الرِّجَالَ”، وَهَذِهِ الأُرْدُنُّ تَحْيَا بِدَوَاخِلِنَا، وَتَحْيَا لَنَا، وَتَحْيَا بِنَا، تَحْيَا لِأَنَّهَا أَحْيَتْ شُعُوبًا وَدُوَلًا وَأُمَمًا لِأَنَّهَا هِيَ سِرُّ الْحَيَاةِ، وَمَنْ لَمْ يَعِشْ فِي الأُرْدُنِّ وَلَمْ يَشْرَبْ مِنْ مِيَاهِهَا مَا عَاشَ لَذَّةَ الْحَيَاةِ!
الأُرْدُنُّ بَاقَةُ وَرْدٍ عَظِيمَةٍ مُتَنَاثِرَةٍ فِي سَمَاءٍ بُسْتَانِيَّةٍ مَلْفُوفَةٍ بِهَيْبَةِ جِبَالِ الشَّرَاةِ، وَمَحْفُوفَةٍ بِكَهْفِ الرَّاهِبِ عَجْلُونٍ فِي قَلْعَةِ الرَّبَضِ الشُّمِّاءِ، الأُرْدُنُّ بَاقَةُ عِطْرٍ مِنْ شُعَاعِ شَمْسِ الْمَفْرَقِ لِتُعَانِقَ جِلْعَادَ الْبَلْقَاءِ، الأُرْدُنُّ مَحْمِيَّةٌ بِهَدْبِ شِمَاغِ نَشَامَى الْجَيْشِ الأُرْدُنِّيِّ الْبَاسِلِ الْمُتَمَتِّرِسِينَ فِي خَلَجَاتِ الثُّغُورِ الْحُدُودِيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ مِنْ سُهُولِ حَوْرَانَ حَتَّى مُنْتَهَى سُهُولِ مَعَانَ، الأُرْدُنُّ سَلَّةُ سَلَامٍ وَعَفْوٍ وَتَصَالُحٍ وَكِبْرِيَاءٍ وَعُنْفُوَانٍ مِنَ الطُّرَّةِ حَتَّى الدُّرَّةِ، الأُرْدُنُّ كُنُوزٌ مِنْ رِجَالَاتِ الْعُيُونِ السَّاهِرَةِ، وَخَامَاتٌ مِنْ قُلُوبٍ حَدِيدِيَّةٍ دَرْكِيَّةٍ فِي قَلْبِ الْمُعْتَرَكِ، الأُرْدُنُّ قَلَمُ عَدْلٍ وَحَقٍّ وَصِدْقٍ وَنُصْحٍ وَإِرْشَادٍ فِي جِهَازِ مُخَابَرَاتِنَا الْعَظِيمِ، الأُرْدُنُّ سِبْطَانَةُ مِدْفَعٍ أَعِدَادُهَا لَا تَهَابُ الرَّدَى فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنْ ثَرَى الْوَطَنِ الطَّهُورِ، الأُرْدُنُّ غَضْبَةٌ مَنْ وَعَاهَا مَا تَجَرَّأَ عَلَى هَذْرِ الْكَلَامِ.
*شَعْبُ الوُرُودِ*
بَاقَةُ وَرْدٍ لَيْسَتْ مُفْرَدَ مُؤَنَّثٍ بَلْ مَطْوِيَّةٌ وَسَرْدِيَّةُ مُثَنَّى وَجَمْعِ مُذَكَّرٍ سَالِمٍ وَجَمْعِ مُؤَنَّثٍ سَالِمٍ، الأُرْدُنُّ حَالَةٌ طَارِئَةٌ مِنْ جَمْعِ الْجُمُوعِ، وَأَيْقُونَةُ جَمْعِ تَكْسِيرٍ بِلَا تَفْسِيرٍ، فَالأُرْدُنُّ وَرْدَةٌ مُنْفَرِدَةٌ فِي صَحْرَاءَ قَاحِلَةٍ تَصْنَعُ بَاقَةً، فَالْأَسَدُ يَمْشِي لِوَحْدِهِ، الأُرْدُنُّ لَوْنٌ أُحَادِيٌّ وَاحِدٌ يَصْنَعُ جَمَالِيَّةَ الْوَطَنِ، وَعِنْدَمَا يَكُونُ الْمَذَاقُ الأُرْدُنِّيُّ مُوَحَّدًا هُنَاكَ تُصْنَعُ نَكْهَةٌ مُنْفَرِدَةٌ تَطْبَعُ قُبْلَةَ الْحَيَاةِ، وَتَلْوِينُ صُورَةِ الْوَطَنِ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ يُحْسِنُ عَطَاءَ الْحَيَاةِ، وَجْهَةٌ حُدُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ تُشَكِّلُ وَطَنًا رَحْبًا فَسِيحًا وَاسِعًا مُمْتَدًّا اسْمُهُ الْمَمْلَكَةُ الأُرْدُنِّيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ.
الأُرْدُنُّ بُسْتَانٌ مِنَ الْوُرُودِ الْمُلَوَّنَةِ، الْمُتَنَوِّعَةِ، الَّتِي تَفُوحُ عِطْرًا، وَالْمُمْتَلِئَةِ شَذًى، كَتَنَوُّعِ الأُرْدُنِّيِّينَ، شَعْبٌ مُؤْمِنٌ بِقِيَادَتِهِ وَصَامِدٌ عَلَى ثَرَى الأُرْدُنِّ الأَرْضِ الطَّاهِرَةِ، الأُرْدُنِّيُّونَ إِخْوَةٌ بِقُلُوبٍ مُوَحَّدَةٍ تَكْمُنُ فِي كُنُوزٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالنَّكَهَاتِ وَالْأَذْوَاقِ فِي وِشَاحٍ أُرْدُنِّيٍّ وَاحِدٍ تَحْتَ رَايَةٍ هَاشِمِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُوَحَّدَةٍ.
الأُرْدُنُّ بَصَمَاتٌ وَأَلْوَانٌ صُنْعُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَعْكِسُ أَلْوَانَ قُلُوبِ الأُرْدُنِّيِّينَ فَمِنَّا الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ طَهَارَةً، وَمِنَّا الْأَبْيَضُ الزَّاهِي نَضَارَةً، وَمِنَّا الْأَبْيَضُ النَّاصِعُ صَرَاحَةً، وَمِنَّا الْأَبْيَضُ الْقَمَرِيُّ الْبَدْرِيُّ شَفَافِيَّةً بِلَوْنِ بَسْمَةِ السَّمَاءِ وَبَيَاضِ شُعَاعِ الشَّمْسِ، وَمِنَّا بَنَفْسَجِيَّةُ السُّوسَنَةِ وَطَنًا، وَمِنَّا لَوْنُ الْهَيْبَةِ وَالْفَخْرِ، وَمِنَّا الْأَبْيَضُ الْهَاشِمِيُّ النَّقِيُّ التُّقَى الْهُدَى النَّقِيُّ لَوْنُ الصَّفَاءِ.
إِنَّهَا بَاقَةُ الْوَرْدِ الْفُسَيْفِسَائِيَّةُ الأُرْدُنِّيَّةُ بِأُسْرَتِهَا الْكَبِيرَةِ الْمُمْتَدَّةِ مِنْ أُصُولِهَا وَمَنَابِتِهَا الَّتِي يَعْجَزُ الْعَالَمُ عَنْ تَفْكِيكِ فسيفسائية اسرتها الاردنية الكبيرة المتماسكة المتكاملة نَعَمْ، تَخْتَلِفُ أَلْوَانُنَا، لَكِنَّ الْجَذْرَ وَاحِدٌ مُتَجَذِّرٌ فِي ثَرَى هَذَا الْبَلَدِ، وَتَخْتَلِفُ نَكَهَاتُ الْعِطْرِ، لَكِنَّ الْوَرْدَ وَاحِدٌ، وَالرَّائِحَةُ الْهَاشِمِيَّةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي تَفُوحُ مِنَّا جَمِيعًا هِيَ رَائِحَةُ النَّخْوَةِ وَالْفَزْعَةِ وَالْمُرُوءَةِ، رَائِحَةٌ تَقُولُ لِلْعَالَمِ: “هُنَا الأُرْدُنُ”.
وَحَوْلَ الْوُرُودِ حَشَائِشُ خَضْرَاءُ طَيِّبَةٌ تَحْمِلُ لَوْنَهَا، وَلَكِنَّهَا مُتَأَثِّرَةٌ بِنَكْهَةِ وُرُودِهَا، وَهَذَا هُوَ مُجْتَمَعُنَا، خَامَةٌ أُرْدُنِّيَّةٌ أَصِيلَةٌ، نَقِيَّةٌ، صُلْبَةٌ كَالصَّوَّانِ.
الأُرْدُنُّ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَسْقِي الْوَرْدَ وَتَحْتَضِنُهُ، الأُرْدُنُّ هِيَ الْجَارُ الَّذِي يَسْتُرُ عَلَى جَارِهِ، وَالرَّفِيقُ الَّذِي يَسْبِقُ الرَّفِيقَ لِلْفَزْعَةِ الْوَطَنِيَّةِ، مُجْتَمَعٌ لَا يَعْرِفُ الْخِيَانَةَ، وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، وَلَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ مَنِيَّتُهُ قَبْلَ دُنْيَاهُ.
*كَرَامَةُ الشَّوْكِ*
نَعَمْ، فَالْوَرْدُ يَحْمِلُ شَوْكًا، وَيَلْتَفُّ الشَّوْكُ حَوْلَ الْوَرْدِ سِيَاجًا وَحِصْنًا، وَجَمَالُ الْوَرْدِ بِشَوْكِهِ، وَالشَّوْكُ سِلَاحٌ وَرْدِيٌّ لِيَحْمِيَ الْوَرْدَ نَفْسَهُ، فَالشَّوْكُ هُوَ كَرَامَتُنَا الَّتِي لَا تُمَسُّ، وَمَنْ أَرَادَ مَسَّ الْوَرْدِ يَتَصَدَّاهُ الشَّوْكُ، هُوَ الَّذِي يَحْمِي الْوَرْدَةَ مِنْ يَدِ الْعَابِثِينَ، وَمِنْ أَنْفَاسِ الْحَاقِدِينَ وَالْمَنْدَسِّينَ، وَمَنْ أَرَادَ الْوَرْدَ فَلَا بُدَّ مِنْ وَخْزِ الشَّوْكِ.
وَالشَّوْكُ هُوَ التَّحَدِّيَاتُ وَالْأَزَمَاتُ وَالْمُؤَامَرَاتُ الَّتِي تُحَاكُ حَوْلَنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، لَكِنَّ كُلَّ شَوْكَةٍ تَحْمِلُ وَجَعًا، وَكُلُّ شَوْكَةٍ كَانَتْ سَبَبًا لِنَتَمَسَّكَ بِوَرْدَتِنَا أَكْثَرَ، وَلِتَزْدَادَ جُذُورُنَا عُمْقًا فِي هَذَا التُّرَابِ، فَالشَّوْكُ الأُرْدُنِّيُّ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَقِفُ.
*قَانُونُ الْوَرْدِ الأُرْدُنِيِّ*
وَإِذَا عُصِرَ الْوَرْدُ، فَإِنَّهُ يُعْطِي عِطْرًا فَوَّاحًا رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ دَمِ الشَّهِيدِ الزَّكِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الأُرْدُنِّيُّ، إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْأَزَمَاتُ، وَإِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، وَإِذَا تَكَالَبَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ وَحَاوَلُوا كَسْرَهُ… فَإِنَّهُ يُعْصَرُ وَلَا يَنْكَسِرُ، وَعِنْدَمَا يُعْصَرُ يُعْطِي أَجْمَلَ مَا فِيهِ رُوحَهُ فِدَاءً لِتُرَابِ الْوَطَنِ، وَالتَّضْحِيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وَالصُّمُودُ كَالْجِبَالِ، نَلْهَجُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: عَاشَ الأُرْدُنُّ… عَاشَ الْمَلِكُ… عَاشَ وَلِيُّ الْعَهْدِ… عَاشَتِ الدَّوْحَةُ الْهَاشِمِيَّةُ.