الجبر يكتب..الأحزاب الأردنية: بين “ديكور” القوائم واحتكار صناعة القرار

الأحزاب الأردنية: بين “ديكور” القوائم واحتكار صناعة القرار
ناطق نيوز-كتب سليمان هلي الجبر
يشهد المشهد السياسي الأردني في الآونة الأخيرة حالة من الجدل والتوتر داخل بعض الأطر الحزبية، انعكس سلبًا على صورة العمل الحزبي برمته، وأثار تساؤلات جوهرية حول جدية الإصلاح وتمكين الشباب. فقد كشفت الصراعات الداخلية الأخيرة حول المقاعد النيابية عن ظاهرة مقلقة؛ وهي تحويل بعض الأحزاب إلى منصات تخدم الطموحات الشخصية لـ “الحرس القديم”، على حساب البرامجية الحزبية وتطلعات الجيل الجديد.
هذا المقال لا يصدر عن انتماء حزبي، بل عن رؤية نقدية مستقلة من كاتب لم ينخرط في أي حزب من الأحزاب، ولا يفكر في الانخراط مستقبلًا، وإنما يكتب من موقع المراقب الذي يسعى إلى قراءة المشهد بموضوعية بعيدًا عن الاصطفافات.
تشير البيانات الرسمية إلى وجود 38 حزبًا مرخصًا وفق قانون الأحزاب الجديد، الذي اشترط صراحة نسبة 20% من الشباب (18-35 عامًا) عند التأسيس كمتطلب إلزامي. ورغم هذا الامتثال الرقمي للقانون، يبقى حضور الشباب داخل الأحزاب شكليًا، مجرد واجهة لتلبية المتطلبات القانونية. فعلى الرغم من وجودهم على الورق، يظل واقعهم بعيدًا عن الصفوف القيادية وصنع القرار، وغالبًا ما يتم تمثيلهم في اللجان الثانوية فقط، دون أي تأثير فعلي. وإذا نظرنا إلى الواقع، نجد أن الشباب يشكلون نحو 60% من السكان، لكن تمثيلهم في البرلمان لا يتجاوز 4% (6 نواب من أصل 138). هذا التناقض الصارخ بين الوزن الديمغرافي والتمثيل السياسي يؤكد أن المشكلة ليست في القدرات الشبابية، بل في ثقافة احتكار القرار والسيطرة التقليدية.
الصف الأول في معظم الأحزاب يهيمن عليه كبار السن، كثير منهم أنهى مسيرته المهنية الرسمية، لكنهم ما زالوا يتصدرون المواقع القيادية، بينما يُترك الشباب في أدوار ثانوية بعيدة عن التأثير الفعلي. هذا النمط يعكس عقلية سياسية تُفضّل الاستمرارية الشكلية على التجديد الحقيقي، وتُبقي القرارات الحاسمة تحت سيطرة من فقدوا القدرة على مواكبة تحديات العصر الرقمي والسياسي المتسارع.
إن تمكين الشباب سياسيًا يتطلب خطوات عملية تتجاوز لغة المناسبات، وأبرزها فرض “كوتة شبابية” ملزمة داخل المكاتب السياسية واللجان القيادية العليا للأحزاب؛ لضمان وجودهم في مطبخ القرار وليس كديكور فقط، ليس من باب المحاصصة العمرية، بل استنادًا إلى الكفاءات البرامجية والتقنية التي يمتلكها هذا الجيل. كما يتطلب الأمر تطوير آليات داخلية تضمن المنافسة العادلة على المواقع المتقدمة بعيدًا عن “التزكية” أو المحسوبية، وتحويل الالتزام بنسبة الـ 20% من مجرد شرط ترخيص إلى معيار أداء يُحاسب عليه الحزب دوريًا.
إن استمرار “الحرس القديم” في احتكار القرار سيجعل مشاركة الشباب مجرد “ديكور” في قوائم الانتخابات، ويُفرغ أي عملية تحديث سياسي من محتواها الحقيقي. الأردن يمتلك طاقات هائلة، وبناء مستقبل سياسي عصري يتطلب إفساح المجال أمام جيل قادر على صياغة حلول جديدة لتحديات المرحلة. من كان هدفه خدمة الوطن، سيجد السبيل لذلك سواء كان في منصب رسمي أو بدونه، لكن استمرار التهميش يعني أن طاقات المستقبل ستتحول إلى مجرد “أرقام تكميلية” في سجلات الماضي السياسي، ولن يكون لهم دور حقيقي في صناعة القرار أو تشكيل المستقبل.
خاتمة أكثر حيوية وتحفيزًا
إن مستقبل الأردن السياسي لن يُبنى على أرقام تكميلية، بل على مشاركة حقيقية لجيل قادر على صياغة رؤى جديدة. فإذا لم تُفسح الأحزاب المجال للشباب اليوم، فإنها تخاطر بأن تصبح خارج معادلة الغد، بينما يظل الشباب قادرين على صناعة التغيير سواء داخل الأطر الحزبية أو عبر مبادراتهم المستقلة. المطلوب اليوم ليس مجرد شعارات، بل خطوات ملموسة تُثبت أن الأحزاب جادة في الإصلاح، وأن الشباب ليسوا ديكورًا انتخابيًا، بل شركاء حقيقيين في صناعة القرار.