ناطق نيوز

المجالي يكتب..محددات الصفر الأردني: في هندسة التفويض وثبات النقطة المركزية

محددات الصفر الأردني: في هندسة التفويض وثبات النقطة المركزية
ناطق نيوز-كتب قصي المجالي

تتوه الابصار ويضطرب المشهد الاقليمي في حضرة تحولات جيوسياسية عاصفة، تلقي بظلالها الثقيلة على كل مشروع وجودي في المنطقة. وفي خضم هذا الركام الاستراتيجي، يبرز النموذج الاردني كـ”معادلة ثابتة” في بيئة لا تعترف الا بالمتغيرات. إن قراءة المشهد من الزاوية الاردنية لا تعني رصد ردود الافعال، بل تحليل الافعال المؤسسة على اسس وجودية غير قابلة للتعريف او التشكيك، وهي ما يمكن تسميتها بـ “محددات الصفر الاردني”.

ان الاستخدام المتعمد لمصطلح “محددات الصفر” ليس مجرد استعارة لغوية، بل هو استدعاء من نظرية الانظمة المعقدة للدلالة على مجموعة الثوابت التي اذا ما تم المساس باي واحدة منها، انهار النظام باكمله. بالنسبة للاردن، فان محددات الصفر هذه تشكل حجر الزاوية في العقيدة الوطنية والسياسية. انها لا تكتب في دساتير مرنة، بل تنقش في ضمير الدولة كارادة لا تقهر. اهم هذه المحددات، وربما جوهرها المطلق، هو الهوية الوطنية الاردنية الجامعة ورفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب الوطن. هذا المحدد يعمل كصمام امان وجودي، يجعل من اي مساومة على ارض الضفة الشرقية او تركيبتها الاجتماعية اخلالا بمعادلة البقاء الاردني. يليه ثبات الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، التي هي ليست مجرد واجب تاريخي، بل هي جزء اصيل من الشرعية الدينية والتاريخية الهاشمية المشكِّلة للدولة. هذه هي الاركان التي لا يمكن التفكير في اي قرار سياسي بمعزل عنها.

انطلاقا من هذه الثوابت، يعتبر مصطلح “هندسة التفويض” دالا على ان الشرعية في العهد الهاشمي ليست عفوية او وليدة ظرف، بل هي بناء مركب بعناية فائقة عبر مئة عام من الزمن. انها عملية بناء متقن لشرعية ثلاثية الابعاد: التفويض الديني والتاريخي المتجذر في سلالة النبي والضامن لدور الوصاية المقدس، والتفويض الثوري والوطني المتمثل في ارث الثورة العربية الكبرى التي تاسست عليها الدولة الحديثة، والتفويض الدستوري والاجتماعي المتمثل في العقد الاجتماعي والمؤسسات الدستورية التي تشكل المظلة الحديثة للحكم. هذه “الهندسة” تمنح النظام مناعة استثنائية ضد الفوضى، وتجعله قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية، اذ ان الشعب الاردني يرى في العرش الهاشمي الضامن الاوحد لهذه التفويضات المتراكمة. انها ليست سلطة فقط، بل هي مسؤولية مفوضة تاريخيا ودينيا عن استقرار الدولة ذاتها.

وفي خضم بيئة اقليمية تتسم بـ”فوضى المتغيرات”، يبرز ثبات “النقطة المركزية” كجوهر للقيادة. ان النظرة الى الدور الهاشمي يجب ان تكون من زاوية “الثابت” الذي يبقي على المحاور متوازنة، وهو الدور الذي لا يمكن لاي قوة حزبية او حتى اقليمية ان تقوم به. القيادة الهاشمية لا تمارس السياسة كتكتيك يومي، بل كـ”استراتيجية بقاء” لا تنقطع. هذا الثبات هو الذي سمح للاردن بممارسة اعلى درجات المناورة الدبلوماسية والسياسية، بما في ذلك القدرة على قول “لا” في احرج الظروف الاقليمية والدولية، لانها تستند الى الثوابت الوطنية (محددات الصفر) وليس الى المصالح الآنية. ان النقطة المركزية هي المحور الذي يضمن عدم انحراف البوصلة الوطنية مهما اشتدت رياح الاجندات الخارجية.

ان المقاربة السياسية التي يفرضها هذا العنوان تتجاوز حدود التحليل الاخباري الى فضاء التفكير الاستراتيجي. الاردن ليس مجرد بلد ينجو من الازمات، بل هو كيان يمتلك آليات صمود مدمجة و “هندسة تفويض” تضمن له البقاء والتقدم حتى في اصعب الظروف. ان الولاء هنا ليس عاطفة عابرة، بل هو ادراك عميق بان النقطة المركزية هي الضامن الوحيد لعدم المساس بمحددات الصفر الاردني. ومن هذا المنطلق، فان التحدي الاكبر اليوم ليس في ادارة الازمة الراهنة، بل في استدامة هذه المحددات وتوريثها كعقيدة للاجيال القادمة، تحت مظلة العرش الهاشمي الذي هو الركن الركين للبيت الاردني.