الدولة الباطنية: حين تتحوّل الأيديولوجيا إلى أداة هيمنة

الدولة الباطنية: حين تتحوّل الأيديولوجيا إلى أداة هيمنة
ناطق نيوز- نيوز-كتب سليمان السقار
ليست كل دولة تُدار من خلال مؤسسات ظاهرة، ولا كل سلطة تُمارَس باسم القانون. فثمة نمط معقّد من الحكم يمكن تسميته بـ الدولة الباطنية؛ دولة لا تُعرِّف نفسها بوضوح، ولا تُفصح دائمًا عن أهدافها الحقيقية، بل تعمل عبر شبكات مغلقة، وخطاب متعدد المستويات، وتوظيف انتقائي للدين أو السياسة بما يخدم مشروعها السلطوي.
في هذا الإطار، يمكن قراءة نماذج متعددة في التاريخ المعاصر، من تجارب أيديولوجية دينية أو قومية، إلى أنظمة شمولية في القرن العشرين كالفاشية والنازية. ورغم اختلاف السياقات، يجمع بينها منطق واحد: الميل إلى احتكار الحقيقة، وتقليص مساحة الاختلاف، وتحويل الجماهير من شركاء في القرار إلى أدوات في الصراع.
في المجال العربي والإسلامي، برزت حركات وتنظيمات ذات طابع أيديولوجي مغلق، من بينها تنظيم الإخوان المسلمين وبعض التيارات المتأثرة بالمدرسة القطبية أو السرورية. وتتمثل الإشكالية هنا ليس في الانتماء الفكري بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة مع المجتمع والدولة؛ حيث تُقدَّم الجماعة أحيانًا باعتبارها الإطار الأعلى للولاء، وتُختزل الدولة في كونها وسيلة مرحلية، ويُستخدم الخطاب الديني كأداة تعبئة سياسية أكثر منه مرجعية أخلاقية جامعة.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند لحظة التقاء الدولة العميقة مع هذا النمط الباطني؛ إذ تتقاطع المصالح، وتُعاد هندسة السلطة عبر مزيج براغماتي يوظّف شعارات الإصلاح وحقوق الإنسان دون التزام ثابت بجوهرها القيمي، ما يفتح الباب أمام ازدواجية في الخطاب والممارسة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على منطقتنا وحدها؛ ففي السياق الغربي، تظهر أشكال أكثر نعومة من الباطنية السياسية، عبر صناعة الوعي، وتسليع القيم، وتحويل مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان إلى أدوات ضغط انتقائية، تُفعَّل أو تُجمَّد تبعًا لموازين المصالح لا لثبات المبادئ.
ومن منظور حضاري إسلامي، تبقى القاعدة الأساسية أن كرامة الإنسان وحقوقه مؤسَّسة على الوحي والقيم الأخلاقية، لا على مزاج السلطة ولا على تقلبات السوق السياسي. وكل مشروع يوظف القيم للوصول إلى السلطة، أو يفصل بين الأخلاق وممارسة الحكم، يُعرِّض هذه القيم لخطر التحول إلى شعارات بلا مضمون.
إن جوهر الدولة الباطنية لا يكمن في بناء الإنسان بقدر ما يكمن في توجيه وعيه والتحكم في مساراته، بما يجعل المجتمع عرضة لأن يُستثمر سياسيًا كلما تغيّرت الواجهات وبقي المنطق ذاته.
وهنا تتجلى مسؤولية النخب الفكرية والسياسية: لا في استبدال سلطة بأخرى، بل في تفكيك هذا النمط من التفكير، وكشف آلياته، وتعزيز وعي مجتمعي يحمي الدولة والمجتمع معًا من التحول إلى أدوات في مشاريع لا ترى في الإنسان إلا وسيلة