ناطق نيوز

قصي المجالي يكتب…بين إرث الإمبراطورية وسطوة الأيديولوجيا: لماذا تستعصي العقيدة الإيرانية على التغيير؟

بين إرث الإمبراطورية وسطوة الأيديولوجيا: لماذا تستعصي العقيدة الإيرانية على التغيير؟

ناطق نيوز- كتب قصي منذر المجالي


إن المتأمل في كينونة الدولة الإيرانية يدرك أننا لسنا أمام مجرد نظام سياسي عابر، بل أمام حالة من “التكلس العقدي” الذي تداخلت فيه الجغرافيا مع الأسطورة والدين مع القومية. إن السبب الجوهري الذي يمنع إيران من تغيير عقيدتها يكمن في أنها لا ترى في هذه العقيدة خياراً سياسياً يمكن تبديله، بل تراها “درعاً وجودياً” يحمي الهوية الفارسية من الذوبان، فإيران عبر تاريخها الطويل كانت تشعر دوماً بأنها جزيرة محاطة ببحار من القوى المعادية، مما ولد لديها نزعة “المظلومية التاريخية” التي تحولت مع الوقت إلى محرك أساسي لصناعة القرار.

إن هذه العقيدة التي تتبناها طهران اليوم ليست مجرد نصوص دينية، بل هي مزيج معقد من الإرث الإمبراطوري الساساني الذي يطمح للهيمنة، وبين الأيديولوجيا الثورية التي وُلدت عام 1979 لتعطي لهذا الطموح شرعية مقدسة تتجاوز الحدود الجغرافية. ومن الناحية البنيوية، نجد أن النظام الإيراني قد صمم مؤسساته بطريقة تجعل من “العقيدة” هي العمود الفقري للدولة؛ فالحرس الثوري مثلاً ليس جيشاً نظامياً فحسب، بل هو حارس لهذه العقيدة، وأي محاولة لتغييرها تعني تلقائياً تفكيك هذه المؤسسات وزوال النخبة الحاكمة، مما يجعل التمسك بالعقيدة مسألة حياة أو موت بالنسبة للنظام.

أضف إلى ذلك أن العقل السياسي الإيراني يبرع في استخدام “التقية السياسية” والمناورة، فهو قد يغير تكتيكاته أو ينحني للعاصفة مؤقتاً، لكنه أبداً لا يفرط في الجوهر العقدي؛ لأن هذا الجوهر هو الذي يمنحه النفوذ الإقليمي عبر الأذرع والولاءات العابرة للحدود، وبدونه ستتحول إيران إلى دولة عادية تفقد بريقها القيادي في مشروعها الذي تسميه “تصدير الثورة”.

إننا أمام دولة تعتقد أن التخلي عن عقيدتها هو انتحار تاريخي وتنازل عن دور “الدولة القطب”، وهذا ما يفسر استعصاءها على التحول رغم الضغوط المتلاحقة، فالعقيدة هناك هي المبتدأ الذي لا يقبل الخبر بالتغيير، وهي الثابت الذي تدور حوله كل المتغيرات السياسية الأخرى.