ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..فِي يَوْمِ العَلَمِ

فِي يَوْمِ العَلَمِ

ناطق نيوز- كتب الدكتور جعفر المعايطة
فِي يَوْمِ العَلَمِ تَتَسَلَّلُ إِلَى النَّفْسِ قِيمَةٌ تَجَاوَزَتْ خَامَةَ المَادَّةِ، وَعِنْدَمَا تَسْمُو البَيَارِقُ فَوْقَ حَيْثِيَّاتِ الشَّكْلِ تَحْكِي رِسَالَةٌ تَلْهَجُ بِهَا الأَمَانِي فِي المُهَجِ، فَالعَلَمُ أَثْمَنُ مِنْ أَنْ يُخَاطَ فِي حُبْكَةِ أَلْوَانٍ، وَأَغْلَى وَأَنْفَسُ مِنْ أَنْ يُبَجَّلَ نَصُّهُ دُونَ مَتْنِهِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
نَتَذَوَّقُ مُعَلَّقَةً وِجْدَانِيَّةً تَلْتَئِمُ تَحْتَهَا المَشَاعِرُ، وَتَصْدَحُ مِنْ طَيَّاتِهِ تَرَانِيمُ تَتَوَحَّدُ فِيهَا المَسَامِعُ، إِنَّهُ لَوْنُ الهُوِيَّةِ، وَرَمْزُ السِّيَادَةِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
بُوصَلَةُ تَوَاصُلٍ نَاطِقَةٌ تَتَوَجَّهُ حَيْثُ وَجْهُ الوَطَنِ مُجْتَمِعًا مُوَحَّدًا، حِوَارِيَّةُ الزَّمَانِ وَتَضَارِيسُ المَكَانِ، كَاسِيًا الإِنْسَانَ بِأَلْوَانِ مَنْ نَحْنُ…

فِي يَوْمِ العَلَمِ
رَغْمَ أَنَّ العَلَمَ يَعِيشُ وَحِيدًا مُتَعَلِّقًا فَوْقَ السَّوَارِي فِي حَرِّ الصَّيْفِ وَقُرِّ الشِّتَاءِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ يَتِيمًا، إِنَّهُ رَمْزٌ يُقَدِّمُ ذَاتَهُ رَافِعًا ذَاتَهُ مُدَافِعًا عَنْ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْيَا لِذَاتِهِ وَبِذَاتِهِ وَمِنْ ذَاتِهِ، وَتَذُوبُ تَحْتَ أَلْوَانِهِ كُلُّ الفَوَارِقِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
تَسْمَعُ أَهَازِيجَ وَهَمَسَاتٍ تَتَنَاثَرُ بِلَا مُفْرَدَاتٍ، وَحِوَارِيَّاتٍ تُزَيِّنُ السَّمَاءَ بِلَا حِوَارٍ، وَقُوَّةَ دَفْعٍ لِتَثْبِيتِ المَعْنَوِيَّاتِ، وَإِيعَازًا لِتَوْحِيدِ الصُّفُوفِ، العَلَمُ يَعْلُو فِي عُلُوِّهِ وَلَا يَعْلُو شَيْءٌ مَعَهُ فِي عُلَاهُ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
رَايَةُ عَقِيدَةٍ، نَسِيجُ إِيمَانٍ، حَمْلُهُ تَشْرِيفٌ مُكَلِّفٌ وَعُنْوَانُهُ تَكْلِيفٌ مُشَرِّفٌ، التَّعَلُّقُ بِهِ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الصُّلْبِ وَالتُّرَابِ وَالدَّمِ وَالعَصَبِ، سَبَقَ الحَسَبَ وَالنَّسَبَ إِلَى أُفُقِ وَاحَةٍ مِنَ الانْتِمَاءِ وَالوَلَاءِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
وَفِي صَوْلَةِ العَرْمَرَمِ وَجَوْلَةِ حَمِيِّ الوَطِيسِ، يَكُونُ حَمْلُ الرَّايَةِ ارْتِحَالًا وَانْتِقَالًا، حَزْمًا وَعَزْمًا، غُرْمًا وَغُنْمًا، انْسِجَامًا بَيْنَ حَبْلِ الوَرِيدِ وَصِمَامِ الأَبْهَرِ، لَمْ تَكُنْ رَفْرَفَةُ العَلَمِ بُرُوتُوكُولًا فِي المَرَاسِمِ إِلَّا لِشَحْذِ الهِمَمِ وَالارْتِقَاءِ بِالرُّوحِ، وَهُوَ مَا تَسَابَقَ عَلَيْهِ الأَبْطَالُ حَمْلًا وَنَقْلًا وَحَفًّا وَزَفًّا وَدَعًْا وَدِفْاً.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
قِصَّةُ الاسْتِمْرَارِ بَيْنَ النِّقَاطِ وَالحُرُوفِ، وَالاسْتِقْرَارِ فِي أَبْجَدِيَّاتِ المُوَاطَنَةِ كَإِرْثٍ حَضَارِيٍّ جَامِعٍ، وَحَبْلِ سُرَّةٍ إِنْسَانِيٍّ يُغَذِّي الأَنَا وَشَقِيقَاتِهَا.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
العَلَمُ فَلْسَفَةٌ فِي مَاسَةِ قَوَاعِدِ اشْتِبَاكِ المُوَاطَنَةِ، وَلُؤْلُؤَةُ مِيثَاقٍ يُظْهِرُ أَسْرَارَ الأَفْرَاحِ فَرَحًا فِي الفَرَحِ، وَيَسْتُرُ أَسْتَارَ الأَتْرَاحِ تَرَحًا فِي القُرْحِ، يَعْلُو شَاهِدًا عَلَى دُمُوعِ التَّضْحِيَاتِ مُوَدِّعًا، كَاسِيًا أَجْسَامَ الشُّهَدَاءِ، وَأَنْفَسَ مُوَاسَاةٍ وَعَزَاءٍ فِي عَزَاءِ ذَوِي الشُّهَدَاءِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ،
العَلَمُ شِرَاعُ بَحَّارٍ، وَرِيشَةُ رَسَّامٍ، وَسَمَّاعَةُ طَبِيبٍ، وَطُغْرَاءُ وَبُنْدُقِيَّةُ جُنْدِيٍّ، وَسَبُّورَةُ مُعَلِّمٍ، وَجِدَارِيَّةُ وَطَنٍ، وَعَصَا رَاعٍ، وَعَرْشُ مَلِكٍ، وَرُتْبَةُ ضَابِطٍ، فُسَيْفِسَائِيَّةٌ تَحْتَضِنُ تَارِيخًا وَتُجَسِّدُ حَاضِرًا وَتَسْتَشْرِفُ مُسْتَقْبَلًا.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
فَالعَلَمُ لَيْسَ زِينَةً تُبَاهِي فِي الأَعْرَاسِ، وَلَا مَظْهَرًا يُتَعَاطَى فِي المَسِيرَاتِ، وَلَا قِطْعَةَ قِمَاشٍ تَتَصَدَّرُ الاحْتِفَالَاتِ، وَلَا زَائِدَةً تُلْقَى مَعَ الزَّوَائِدِ وَالفُضَلَاتِ، إِنَّهُ العَلَمُ مَنْظُومَةُ آدَابٍ وَقِيَمٍ وَعُلُومٍ وَمَعَارِفَ وَحُرْمَةٍ وَسِتْرٍ وَسِرٍّ وَقُدْسِيَّةٍ، تَضْطَلِعُ بِهَا وَلِأَجْلِهَا أَدْنَى مُتَطَلَّبَاتِ الالْتِصَاقِ بِتُرَابِ الوَطَنِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
عَلَمُ بِلَادِي مَقْطُوعَةٌ وَسَاقِيَةٌ تَتَنَاغَمُ عَلَى تَمَوُّجِ رَفْرَفَتِهِ النُّفُوسُ، وَتَتَرَنَّحُ عَلَى تَمَايُلِهِ صُوَرُ الذِّكْرَيَاتِ، فَهُوَ (العَلَمُ) دُمْلُجُ الاحْتِرَامِ، وَسِوَارُ التَّعَامُلِ، وَمِرْآةُ الانْضِبَاطِ، وَخُبْزُ الأَدَاءِ، وَكُرْسِيُّ الأَمَانَةِ، وَمِسْكُ المَسْؤُولِيَّةِ، وَبُخُورُ الإِخْلَاصِ، وَبَلْسَمُ العَمَلِ، وَحَوْضُ الثَّبَاتِ، وَفِدَاءُ المَوَاقِفِ، وَمَعَ كُلِّ رَفْعَةِ عَلَمٍ تَرْتَفِعُ قِيَمُ المُوَاطَنَةِ فِي القَلْبِ لَا فِي اليَدِ، وَتَرْتَقِي صَيْرُورَةُ العِزَّةِ فِي الضَّمِيرِ لَا فِي العَلَنِ، وَتَسْتَوِي مَوَازِينُ الكَرَامَةِ فِي نُخْبَةِ المُوَاطَنَةِ لَا قَشَائِشِهَا، وَتَلْتَصِقُ مِرْآةُ الوَعْيِ الوَطَنِيِّ فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي البُيُوتَاتِ وَفِي المَدَارِسِ وَالجَامِعَاتِ وَفِي أَخْلَاقِيَّاتِ المُعَامَلَاتِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
نُكْرَانُ ذَاتٍ، فَالعَلَمُ كِيَانُ حِفَاظٍ عَلَى المُقَدَّرَاتِ، وَفَخْرٌ بِمُنْجَزَاتٍ، عِلْمٌ يُغَذِّي مَبَادِئَ الحُرِّيَّةِ وَحُقُوقِ الإِنْسَانِ وَالتَّسَامُحِ وَالتَّعَايُشِ وَالسَّلَامِ، وَبُرُوتُوكُولُ مَدْلُولَاتٍ، وَلَا زَالَ العَلَمُ الأُرْدُنِيُّ مَرْفُوعًا عَالِيًا لَامًّا ضَامًّا مُدَفِّئًا كَافِيًا مَكْفِيًّا وَافِيًا مُوفِيًا ذَاتَهُ مُنْذُ 16/ نِيسَانَ عَامَ 1922، مَحْمُولًا عَلَى جَنَاحِ الزَّمَنِ امْتِدَادًا لِرَايَةِ الثَّوْرَةِ العَرَبِيَّةِ الكُبْرَى عَامَ 1916.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
العَلَمُ شَاهِدٌ كَعَقْدٍ أَخْلَاقِيٍّ ضِمْنِيٍّ غَيْرِ مَكْتُوبٍ، يَسْرُدُ سَرْدِيَّةَ المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ مُنْذُ أَنْ أَنْقَذَهَا المُؤَسِّسُ الشَّهِيدُ المَلِكُ عَبْدُاللَّهِ الأَوَّلُ -طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ- مِنْ بَرَاثِنِ وَعْدِ بَلْفُورَ، فَجَعَلَ مِنَ الوَحْدَةِ مَبْدَأً، وَمِنَ العَدْلِ نَهْجًا، وَمِنَ الأَمْنِ أَسَاسًا.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
عَاشَ عِلْمُ بِلَادِي الَّذِي تَتَوَسَّطُهُ نَجْمَةُ السَّبْعِ المَثَانِي، لَيْسَ شِعَارًا سِيَاسِيًّا، بَلْ عَقِيدَةٌ تُصَانُ، وَرِسَالَةٌ تُحْمَلُ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ تُؤَدَّى، لِذَلِكَ كَانَ العَلَمُ الأُرْدُنِيُّ رَايَةً لَا تَعْرِفُ الانْكِسَارَ، شَاهِدًا عَلَى خِدْمَةِ مَلَايِينِ اللَّاجِئِينَ وَالبَاحِثِينَ عَنِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالسَّلَامِ وَالعَدْلِ.

فِي يَوْمِ العَلَمِ
يَوْمُ العَلَمِ لَيْسَ مُنَاسَبَةً عَابِرَةً، بَلْ وَقْفَةُ وَفَاءٍ وَتَقْدِيرٍ لِقِيَادَةٍ هَاشِمِيَّةٍ تَفَرَّدَتْ بِنَهْجِ الاسْتِقْرَارِ وَالرَّحْمَةِ، وَرَفَعَتْ شِعَارَ (الأُرْدُنُّ أَوَّلًا) عَطْفًا عَلَى نَهْجِ (الإِنْسَانُ أَغْلَى مَا نَمْلِكُ)، يَوْمُ الوَفَاءِ لِلْعَلَمِ هُوَ يَوْمُ الوَفَاءِ لِشُهَدَاءٍ ضَحَّوْا دِفَاعًا عَنْ عِلْمِ البِلَادِ، وَفَاءً لِأَبْطَالٍ سَهِرُوا لِيَبْقَى الوَطَنُ آمِنًا شَامِخًا مُعَافًى مُطْمَئِنًّا.

وَفِي يَوْمِ العَلَمِ،
نُجَدِّدُ العَهْدَ وَالبَيْعَةَ وَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِسَيِّدِ البِلَادِ سَيِّدِ الدَّوْحَةِ الهَاشِمِيَّةِ، بِقِيَادَةِ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِاللَّهِ الثَّانِي بْنِ الحُسَيْنِ، وَوَلِيِّ عَهْدِهِ صَاحِبِ السُّمُوِّ المَلَكِيِّ الأَمِيرِ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الثَّانِي، حَفِظَهُمَا اللَّهُ، أَنْ يَبْقَى الوَلَاءُ جَبَلًا، وَالانْتِمَاءُ نَهْرًا، وَالعَمَلُ مَوْرِدًا عَذْبًا… لِيَبْقَى عِلْمُ بِلَادِي خَفَّاقًا فِي قُلُوبِنَا قَبْلَ أَيْدِينَا .