الدكتور جعفر المعايطة يكتب.._فُرْسَانٌ حَوْلَ الْوَطَنِ_
*الْمَلِكُ الْفَارِسُ الْمُؤَسِّسُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ – شَهِيدُ الْأَقْصَى*

_فُرْسَانٌ حَوْلَ الْوَطَنِ_
*الْمَلِكُ الْفَارِسُ الْمُؤَسِّسُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ – شَهِيدُ الْأَقْصَى*
ناطق نيوز- كتب الدكتور جعفر المعايطة
*فَارِسٌ وَحَكِيمٌ*
الشَّهِيدُ الْبَطَلُ الْمَلِكُ الْمُؤَسِّسُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ بْنُ الشَّرِيفِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَارِسُ الْعَقْدِ الْأَخْلَاقِيِّ الْأُرْدُنِّيِّ غَيْرِ الْمُدَوَّنِ، وَسَارِدُ سَرْدِيَّةِ الْمَمْلَكَةِ الْحَدِيثَةِ.
أَنْقَذَ الْأُرْدُنَّ مِنْ بَرَاثِنِ وَعْدِ بَلْفُورَ، وَوَحَّدَ الْبِلَادَ، فَاسْتَبْدَلَ النَّزْعَةَ بِالْفَزْعَةِ، وَظَلَّلَ السَّيْفَ بِالْقَلَمِ.
أَسَّسَ قَاعِدَةَ “عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ” نَاسِخًا “عَلَى قَدْرِ أَهْلِ السُّيُوفِ”، وَأَطْلَقَ شِعَارَ “احْمِلْ قَلَمَكَ وَاتْبَعْنِي” عِلَاجًا لِـ “احْمِلْ سَيْفَكَ وَاتْبَعْنِي”، وَأَرْسَى مِيزَانَ “عُدَّ شَهَادَاتِكَ وَمَهَارَاتِكَ وَاخْدِمْ وَطَنَكَ” مَكَانَ “عُدَّ رِجَالَكَ وَارِدِ الْمَاءَ”.
فَأَوْجَدَ مِنَ الْوَحْدَةِ مَبْدَأً، وَمِنَ الْعَدْلِ نَهْجًا، وَمِنَ الْأَمْنِ أَسَاسًا.
طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ.
*مِيلَادٌ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَخِيَامِ الْبَادِيَةِ*
وُلِدَ الْمَلِكُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ عَامَ 1882، فَنَشَأَ بَيْنَ جِدَارِ الْكَعْبَةِ وَخِيَامِ الْبَادِيَةِ، فَجَمَعَ فَصَاحَةَ الْعَرَبِ، وَفِقْهَ الْعُلَمَاءِ، وَحِنْكَةَ السَّاسَةِ، وَشَجَاعَةَ الْفَارِسِ.
تَلَقَّى عُلُومَهُ فِي الْإِسْتَانَةِ بَاحِثًا عَنْ مَعَانِي الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَحَمَلَ غِمْدَ السِّيَاسَةِ قَبْلَ غِمْدِ سَيْفِهِ.
عَاشَ مُنْتَزِعًا اسْتِقْلَالَ الْأُرْدُنِّ مِنْ بَيْنِ فَكَّيْ الْمُحْتَلِّ وَمَنْدُوبِ الِاسْتِعْمَارِ الْبَرِيطَانِيِّ، فَأَنْقَذَ الْأُرْدُنَّ تُرَابًا وَشَعْبًا وَمُلْكًا.
*جَبَلُ الْأُمَّةِ وَقَلَمُ الْمُسْتَقْبَلِ*
لَمْ يَكُنْ مَلِكًا يَجْلِسُ عَلَى الْعَرْشِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ جَبَلًا تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَسَيْفًا يُحَارِبُ بِهِ الشَّعْبُ، وَقَلَمًا يُخَطُّ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ.
هُوَ شَاهِدُ صُنْعِ الْكَرَامَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَشَهِيدُ عَتَبَاتِ الْأَقْصَى.
عَاشَ بِشَجَاعَةٍ أَصْعَبَ مِنَ الْمَوْتِ بِشَجَاعَةٍ، فَعَاشَ شُجَاعًا وَاسْتُشْهِدَ شُجَاعًا.
*بَلِيغٌ وَسِيَاسِيٌّ بَارِعٌ*
كَانَ فَحْلًا مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، وَبَلِيغًا تَخْضَعُ لِبَيَانِهِ الْآذَانُ، وَحَكِيمًا تَسْتَنِيرُ بِرَأْيِهِ الْأُمَمُ، وَسِيَاسِيًّا تَهَابُهُ الدُّوَلُ.
ذُو هَيْبَةٍ لَا تُشْتَرَى، وَوَقَارٍ لَا يُصْطَنَعُ.
شَرِيفٌ لِشَرَفِ دَمِهِ وَنَسَبِهِ، وَشَرِيفٌ لِسُمُوِّ أَخْلَاقِهِ وَتَوَاضُعِهِ الْمَلَكِيِّ، وَزَادَهُ شَرَفًا دَمُهُ الزَّكِيُّ الَّذِي خَطَّ خَرَائِطَ الْوَطَنِ.
*بَيْعَةُ بَانٍ لَا غَازٍ*
فِي عَامِ 1921 مَدَّتْ لَهُ الْعَشَائِرُ وَالْقَبَائِلُ الْأُرْدُنِّيَّةُ يَدَ الْبَيْعَةِ، فَجَاءَ عَلَى صَهْوَةِ جَوَادِهِ لَا فَاتِحًا وَلَا غَازِيًا، بَلْ بَانِيًا مُؤَسِّسًا يَقُولُ: “جِئْتُ إِلَيْكُمْ لِنَبْنِيَ مَعًا وَطَنًا”.
فَكَانَتْ كَلِمَتُهُ عَهْدًا، وَعَهْدُهُ دُسْتُورَ أُمَّةٍ.
نَقَلَ النَّاسَ مِنْ ثَقَافَةِ “قُوَّةِ الْقُوَّةِ” إِلَى ثَقَافَةِ “قُوَّةِ الْعَزِيمَةِ وَالْفِكْرِ”، وَأَدْرَكَ أَنَّ قُوَّةَ الدَّوْلَةِ فِي عَدِّ مَدَارِسِهَا لَا خُيُولِهَا فَقَطْ.
*صَخْرَةُ الْبَوَّابَةِ الشَّرْقِيَّةِ*
كَانَ الْأُرْدُنُّ فِي عَهْدِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحَطَّمَتْ عَلَيْهَا أَحْلَامُ التَّقْسِيمِ، وَوَقَفَ عَلَى الْبَوَّابَةِ الشَّرْقِيَّةِ لِفِلَسْطِينَ يَقُولُ لِلْعَالَمِ: “هَذِهِ أَرْضُ الْعَرَبِ، وَلَنْ تُسْلَمَ إِلَّا بِجُثَثِنَا”.
وَفِي عَامِ 1948 قَادَ الْجَيْشَ الْعَرَبِيَّ الْأُرْدُنِّيَّ فِي مَعَارِكِ الْقُدْسِ وَاللِّدِّ وَالرَّمْلَةِ، وَصَدَحَ بِكَلِمَتِهِ: “إِمَّا نَحْيَا كِرَامًا، أَوْ نَمُوتُ كِرَامًا”.
*دُسْتُورٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ*
لَمْ يَحْتَجْ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ إِلَى دُسْتُورٍ مَكْتُوبٍ لِلْأَخْلَاقِ، لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الدُّسْتُورَ الْمَاشِيَ عَلَى الْأَرْضِ.
كَانَ عَقْدًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَعْبِهِ: الْوَحْدَةُ مَبْدَأٌ، وَالتَّنَوُّعُ قُوَّةٌ، وَالْعَدْلُ أَسَاسُ الْمُلْكِ.
فَصَارَتْ عَمَّانُ وَاحَةَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَمَلَاذًا لِلْبَاحِثِينَ عَنِ الْأَمْنِ وَالسَّلَامِ.
*كَلِمَةُ الْخُلُودِ وَالشَّهَادَةُ*
كَانَ عَالِمًا بِقَدَرِهِ، فَقَبْلَ اسْتِشْهَادِهِ بَدَّلَ حُلَّةَ الْمُلْكِ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ وَتَوَجَّهَ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الْمُبَارَكِ.
وَلَمَّا قَالَ لَهُ حَارِسُهُ حَابِسُ الْمَجَالِي: “يَا جَلَالَةَ الْمَلِكِ، لَا تَخْرُجْ، فَإِنَّ الْخَطَرَ مُحْدِقٌ”،
الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ الْخُلُودِ وَقَالَ: *”لَا تَحْبِسْنِي يَا حَابِسُ”*.
وَفِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 20 تَمُّوزَ 1951 ارْتَقَى شَهِيدًا عَلَى عَتَبَاتِ الْأَقْصَى.
فَلَمْ يَكُنِ الدَّمُ الَّذِي سَالَ دَمَ رَجُلٍ، بَلْ كَانَ حِبْرًا كَتَبَ وَثِيقَةَ اسْتِقْلَالِ الْأُرْدُنِّ وَعَهْدَ الْوَفَاءِ الْأَبَدِيِّ لِفِلَسْطِينَ.
*الْإِرْثُ الَّذِي لَا يَمُوتُ*
لَمْ يَمُتْ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوَّلُ، بَلْ تَرَكَ وَطَنًا قَائِمًا، وَدَوْلَةً رَاسِخَةً، وَجَيْشًا بَاسِلًا، وَتَارِيخًا يُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ.
عَلَّمَنَا أَنَّ الْمُلْكَ تَكْلِيفٌ لَا تَشْرِيفٌ، وَأَنَّ الْأَوْطَانَ تُبْنَى بِالدِّمَاءِ وَالْفِكْرِ وَالْعَزِيمَةِ لَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
رَحَلَ الْجَسَدُ وَبَقِيَتِ الرُّوحُ، وَكُلَّمَا رُفِعَتْ رَايَةُ الْأُرْدُنِّ تَذَكَّرْنَا الْفَارِسَ الْمُؤَسِّسَ الَّذِي غَرَسَ شَجَرَةَ الْوَطَنِ بِقَلَمِهِ وَرَوَاهَا بِدَمِهِ.
رَحِمَ اللَّهُ شَهِيدَ الْأَقْصَى، وَحَفِظَ اللَّهُ الْأُرْدُنَّ مَلِكًا وَجَيْشًا وَشَعْبًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.