*رقابة على المحتوى والمشاهير… ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل*

*رقابة على المحتوى والمشاهير… ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل*
ناطق نيوز – كتب سليمان علي الجبر
يشهد الفضاء الرقمي في الآونة الأخيرة تراجعًا مقلقًا في مستوى المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت بعض هذه المنصات من أدوات تواصل وبناء وعي إلى مساحات مفتوحة للفوضى الرقمية، والمحتوى الهابط، والإساءة للقيم المجتمعية والوطنية.
لقد بات السعي وراء الشهرة السريعة و”الترند” هدفًا بحد ذاته لدى فئة من صُنّاع المحتوى، حتى وإن كان الثمن الإساءة لعادات المجتمع الأردني، أو التقليل من شأن الوطن، أو نشر خطاب كراهية وانقسام لا يخدم إلا الفوضى. هذا الواقع لم يعد مسألة ذوق عام، بل أصبح قضية تمس الأمن الثقافي والاجتماعي للدولة.
إن غياب الرقابة الفاعلة فتح المجال أمام محتوى لا يحمل رسالة ولا قيمة، بل يساهم في تشويه الوعي العام، خاصة لدى فئة الشباب، ويكرّس نماذج سلبية تُقدَّم على أنها “تأثير”، بينما هي في حقيقتها إساءة صريحة للأخلاق والهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، فإن الإساءة للوطن عبر المنصات الرقمية لا تقل خطورة عن أي تهديد مباشر، إذ تضرب الثقة العامة، وتشوه الصورة الذهنية للدولة، وتفتح الباب أمام حملات تضليل وتشويه ممنهجة. كما أضاف الجبر أن هذا النوع من المحتوى انعكس سلبًا على قطاعات حيوية، أبرزها السياحة والاستثمار، التي تتأثر بشكل مباشر بالصورة التي تُنقل عن الدول في الفضاء الرقمي.
كما لا يمكن إغفال الدور الخطير الذي باتت تمارسه بعض المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية التي تحمل اسم الأردن، بينما تنخرط فعليًا في دعم جماعات محظورة، أو الترويج لأفكار متطرفة وخطابات تحريضية، مستغلة العاطفة الشعبية لكسب التأييد والتفاعل، ومتخفية خلف شعارات حرية التعبير أو نقل “وجهة نظر مغايرة”.
هذه المنصات لا تكتفي بتضليل الرأي العام، بل تسعى بشكل ممنهج إلى زعزعة الأمن والاستقرار الوطني، وبث الشكوك، وتأجيج الانقسام المجتمعي، عبر محتوى انتقائي يخدم أجندات مشبوهة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية ولا للمهنية الصحفية، مستغلة اسم الأردن كغطاء إعلامي للتأثير السلبي على الوعي العام.
كما برز في الفترة الأخيرة استغلال بعض المشاهير والمؤثرين لقضايا إنسانية وسياسية حساسة بهدف جمع الأموال أو كسب التعاطف، في الوقت الذي يتم فيه نشر روايات مضللة ومغلوطة، تسيء للأردن وتضعه في سياقات لا تعكس حقيقته ولا مواقفه الثابتة.
وقد أدركت دول عربية عدة خطورة هذا الملف، فبادرت إلى إنشاء أطر تنظيمية وهيئات مختصة لمراقبة المحتوى الرقمي، ووضع معايير واضحة تحكم عمل المؤثرين والمنصات الإعلامية، ومحاسبة كل من يتجاوز القيم المجتمعية أو يسيء للدولة، دون المساس بحرية التعبير المسؤولة.
إن المطالبة بتنظيم المحتوى لا تعني تقييد الحريات، بل تعني حماية المجتمع من الفوضى الرقمية، وضمان أن تبقى حرية الرأي أداة بناء لا وسيلة إساءة أو ابتزاز. فحرية التعبير مسؤولية وطنية وأخلاقية، وليست غطاءً للفوضى أو التطرّف.
اليوم، نحن أمام حاجة وطنية ملحّة لإطار واضح ينظم المحتوى الرقمي، ويضع معايير مهنية وأخلاقية، ويُخضع الجميع للمساءلة دون استثناء، سواء كانوا مؤثرين، مشاهير، أو منصات تحمل اسم الوطن، حفاظًا على قيم المجتمع، وسمعة الأردن، وأمنه واستقراره، ومستقبل أجياله.
لقد حان الوقت لوضع حد للفوضى الرقمية،
وحان الوقت لرقابة واعية وعادلة،
وحان الوقت لمحاسبة كل من يسيء للوطن باسم الشهرة أو الإعلام