ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..الْمُوَاطَنَةُ

الْمُوَاطَنَةُ

ناطق نيوز-كتب الدكتور جعفر المعايطة

الْمُوَاطَنَةُ

الْمُوَاطَنَةُ لَيْسَتْ قُوشَانَ أَرْضٍ لِإِثْبَاتِ مِلْكِيَّةٍ تَحْتَ الطَّلَبِ، وَلَا صَكَّ صُلْحٍ مَرْهُونَ الْإِشْهَارِ،
كَمْ هُوَ مُعِيبٌ أَنْ تَكُونَ الْمُوَاطَنَةُ بَوْصَلَةً يَكْتَسِيهَا الْغُبَارُ وَيُهَاجِمُهَا الصَّدَأُ، مَا تَلْبَثُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ جِرَابِهَا فِي وَقْتِ الْقَتَامِ وَالْعَتَامِ وَالضَّبَابِ.
وَمَا هُوَ مُحْرِجٌ لِلْمُوَاطَنَةِ نَفْسِهَا ذَاكَ أَنْ تَكُونَ شِعَارًا يَنْتَهِي صَلَاحِيَّتُهُ مَعَ غِيَابِ شُمُوسِ أَعْيَادِ الْوَطَنِ.
حَاشَى أَنْ تَكُونَ الْمُوَاطَنَةُ وَكَأَنَّهَا دَخِيلَةٌ أَوْ سَبِيَّةُ حَرْبٍ مِنْ حُرُوبِ الِاسْتِقْلَالِ،
وَالْعَارُ كُلُّ الْعَارِ عَلَى مَنْ يُسَلِّطُ سَيْفَ الْمُوَاطَنَةِ أَوْ يَغْرِسُ رُمْحَهَا فِي وَجْهِ الْوَافِدِ وَالزَّائِرِ وَالسَّائِحِ وَالضَّيْفِ وَاللَّاجِئِ وَالْمُغْتَرِبِ وَالْفَقِيرِ وَالْعَامِلِ وَالضَّعِيفِ وَالْأَسِيفِ أَوِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُوَاطِنَةِ أَوِ الْعَكْسُ صَحِيحٌ!

الْمُوَاطَنَةُ صُورَةُ كَائِنٍ حَيٍّ مُعْتَدٍّ بِذَاتِهِ: “أَنَا هُنَا وَأَنْتَ أَوْ أَنْتِ كَذَلِكَ مِنْ هُنَا وَنَحْنُ جَمِيعًا إِلَى هُنَا”.
الْمُوَاطَنَةُ وَسِيلَةُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَا لِيَقُولَ لِلْعَالَمِ: “أَنَا أَنْتَمِي إِلَى حَيْثُ أَرْفَعُ رَأْسِي بِكَ وَبِكِ وَبِكُمْ وَبِكُنَّ، أَنَا أَنْتَمِي إِلَيْكَ وَإِلَيْكِ، أَنْتَ وَأَنْتِ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ وَمِنْكِ وَكُلُّنَا نَعِيشُ مَعَ بَعْضِنَا الْبَعْضِ هُنَا”.

الْمُوَاطَنَةُ بَرْنَامَجُ GPS لِتَحْدِيدِ مَوْقِعِ حَامِلِهَا: “أَنَا ذَاتُ أَنَا، وَلَا أَرْضَى أَنْ أَكُونَ بِخِلَافِ أَنَا”.
الْمُوَاطَنَةُ بَصْمَةٌ لَا يُمَثِّلُهَا إِلَّا ذَاتُهَا وَبِذَاتِهَا، إِنَّهَا بَصْمَةُ ذَاتِ إِبْهَامٍ نَاقِلُهَا.

الْمُوَاطَنَةُ هِيَ الذَّاتُ التُّرَابِيَّةُ لِوَطَنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، لَا يَنُوبُ عَنْ ذَاتِهَا إِلَّا أَصَالَةُ ذَاتِهَا، أَصَالَةً عَنْ ذَاتِ ذَاتِهَا وَلَيْسَ لِذَاتِهَا نِيَابَةٌ أَوْ مُرَاسَلَةٌ.

الْمُوَاطَنَةُ سِرُّ مَدْفَنِ الْمَشِيمَةِ، وَحَبْلُ سُرَّةِ الْأُخُوَّةِ، وَدُمَى أَيَّامِ الطُّفُولَةِ، وَشَاهِدُ ذِكْرَيَاتِ الرُّفْقَةِ وَالصُّحْبَةِ.
لَقَدِ ارْتَجَّ تُرَابُ الْوَطَنِ وَاهْتَزَّتْ جِبَالُ الْوَطَنِ لِتَلَوُّثِ رُوحِ مِلْحِ الْمُوَاطَنَةِ!

مِنَ الْمُؤْلِمِ أَنْ تَكُونَ الْمُوَاطَنَةُ دَائِرَةَ تَنَافُرٍ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَتَجَاذُبٍ مَعَ الْمَنْفَعَةِ!
عِنْدَمَا تَكُونُ الْمُوَاطَنَةُ سَلَالِمَ نَقْلٍ لَا أُرْجُوحَةَ عَقْلٍ،
وَعِنْدَمَا تَكُونُ الْمُوَاطَنَةُ اتِّبَاعًا لَا ابْتِدَاعًا،
وَتَكُونُ اسْتِعْفَافًا لَا اسْتِشْرَافًا، حِينَهَا يَكُونُ الْوَطَنُ لِلْخَيْرِ جَامِعًا، وَالْمُوَاطِنُ شَبْعَانَ قَانِعًا.

وَمِنَ الْمُفْرِحِ أَنْ تَتَرَنَّحَ الْمُوَاطَنَةُ انْتِظَارًا تَحْتَ رَحْمَةِ التَّشْذِيبِ وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالتَّأْدِيبِ!
وَمَا يُرَاقِصُ لَهُ الْفُؤَادُ هُوَ أَنْ تُصَانَ الْمُوَاطَنَةُ بَيْنَ مَنْطِقِ الْحَكِيمِ وَفَلْسَفَةِ الضَّالِعِ بِهَا؟
وَالْمُطْمَئِنُّ أَنْ تُعْدَلَ مَوَازِينُ الْمُوَاطَنَةِ بَيْنَ الْحُجَّةِ الْقَوِيَّةِ وَالدَّلِيلِ الْجَزْلِ وَالْبُرْهَانِ الرَّاشِدِ!

وَمَا بَرِحَ فِكْرُ الْمُوَاطَنَةِ الْوَطَنِيِّ الْأُرْدُنِيِّ، وَمُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ حَتَّى الْيَوْمِ، دَأْبُهُ: “يَا هَلَا بِالضَّيْفِ، ضَيْفُ اللَّهِ عَلَى حِسَابِ الرُّوحِ، أَيْ وَاللَّهِ، مَا نَرْضَى تْرُوحْ مِنْ عِنَّا، مَا نَرْضَى تْرُوحْ، لَا وَاللَّهِ”.
فَالْمُوَاطَنَةُ فِي الْأُرْدُنِّ الْعَظِيمِ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ عَلَى ضِدَّيْنِ، وَلَا تَعِيشُ النَّقِيضَيْنِ!

الْمُوَاطَنَةُ جِدَارِيَّةُ فُسَيْفِسَاءَ مُتَجَدِّدَةٌ دَؤُوبَةٌ طَوِيلَةُ الْعِمَادِ، وَعَبَقُ الْمِسْكِ عَصْفُهَا، وَالسَّمَاءُ مَدُّهَا، وَالْأُفُقُ حَدُّهَا، وَجَيْشُنَا الْبَاسِلُ جُنْدُهَا.
وَلَمْ تَكُنِ الْمُوَاطَنَةُ نَظَرِيَّةً نِسْبِيَّةً، بَلْ عَمَلِيَّةً انْشِطَارِيَّةً مُتَوَالِدَةً.
وَلَيْسَ فِي شُؤُونِ الْمُوَاطَنَةِ أَوْ ثَوَابِتِهَا أَيَّةُ حِيَادِيَّةٍ، بَلْ هِيَ شَامِلَةُ الْقِيَمِ، كَامِلَةُ الرُّؤْيَا، زَاخِرَةُ التَّضْحِيَاتِ، وَافِرَةُ الْإِعْدَادَاتِ، سَحَّةً دَحَّةً، غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ بِسِيَاقِهَا الثَّقَافِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ!

الْمُوَاطَنَةُ ثَوْبٌ مُبَارَكٌ مُدَشَّنٌ بِبَرَكَاتِ الْأَرْضِ الْمُسْتَوْطِنَةِ فِي رُوحِ الْإِنْسَانِ.
الْمُوَاطَنَةُ تُضَاهِي حَالَةَ الِانْبِعَاثِ الْمُتَرَاكِمَةِ مِنْ قِطَافِ بُرْتُقَالِ الْأَغْوَارِ،
وَتُشْبِهُ عِطْرَ جَنْيِ زَيْتُونِ الطَّفِيلَةِ،
وَتُدَغْدِغُ سَنَابِلَ قَمْحِ سُهُولِ حَوْرَانَ،
وَتَتَرَنَّمُ عَلَى خَرِيرِ مَاءِ نَهْرِ الْأُرْدُنِّ.
الْمُوَاطَنَةُ رِحْلَةُ الْأَنَفَةِ عَبْرَ بَوَادِي الْوَطَنِ الشَّامِخِ كَشُمُوخِ جِبَالِ الشَّرَاةِ،
وَالْقَدِيمَةِ بِقِدَمِ خَزْنَةِ الْبَتْرَاءِ، وَالْمُحَاوِرَةِ لِطَرِيقِ الْمُلُوكِ، وَالْمُتَّعِظَةِ بِطَمِيِّ الْبَحْرِ الْمَيِّتِ.
الْمُوَاطَنَةُ أَنَفَةٌ وَأُلْفَةٌ، الْمُوَاطَنَةُ قَلْبٌ يَشْكُرُ، وَلِسَانٌ يَذْكُرُ، وَرُوحٌ بِالْوَطَنِ تُزْهِرُ.

الْمُوَاطَنَةُ مُضْغَةٌ فِي جَسَدٍ، وَدَمٌ فِي شِرْيَانٍ، وَإِبْدَاعٌ تَكْتَسِبُهُ بِعَمَلِكَ لَا بِمَوْلِدِكَ.
مَنْ يَنْشَغِلُ بِمُوَاطَنَتِهِ لَيْسَ لَدَيْهِ وَقْتٌ لِلِانْشِغَالِ بِالْكُرْهِ وَخِطَابَاتِ الْكَرَاهِيَةِ.

لَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاطَنَةَ أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ خُطُوطِ طُولٍ وَعَرْضٍ وَإِحْدَاثِيَّاتٍ جُغْرَافِيَّةٍ، وَلَا يَحْكُمُ مُمَارَسَاتِهَا رَقْمٌ وَطَنِيٌّ،
فَهِيَ مَجْمُوعَةٌ مِنْ سِلْسِلَةِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ وَالْآدَابِ وَالْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي تَعْتَرِفُ بِالْآخَرِ فِي مُجْتَمَعٍ يَعِيشُ فِيهِ الْجَمِيعُ بِاحْتِرَامٍ.

إِذًا الْمُوَاطَنَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُعَادَلَةٍ كِيمِيَائِيَّةٍ كُلُّنَا بِهَا حُكْمًا،
وَعَبَثًا أَنْ تُحَاوِلَ أَنْ تَعْزِلَ أَنْفُسَنَا عَنْ بَعْضِنَا الْبَعْضِ،
وَعِنْدَمَا نَجْتَمِعُ عَلَى مَائِدَةِ الْمُوَاطَنَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُنَا حِيَادِيًّا،
بَلْ كُلُّنَا فِي الْهَمِّ شَرْقٌ: أَنَا وَأَنْتَ هُنَا، وَمِنْ هُنَا، وَإِلَى هَا هُنَا.

عَاشَ الْأُرْدُنُّ تُرَابًا وَوَطَنًا وَمَلِكًا وَشَعْبًا