الدكتور جعفر المعايطة يكتب…*خُلَاصَةُ الرِّوَايَةِ*

*خُلَاصَةُ الرِّوَايَةِ*
ناطق نيوز-كتب الدكتور جعفر المعايطة
*الرِّوَايَةُ الأُولَى*
نَعَمْ، فَالأُرْدُنُّ سَيِّدَةُ السُّفُوحِ وَآنِسَةُ الجِبَالِ وَفَتَاةُ السُّهُولِ وَابْنَةُ الهِضَابِ وَعَذْرَاءُ الزَّمَنِ، فَهِيَ مُنْجِبَةُ الحَضَارَاتِ وَهِيَ شَقِيقَةُ التَّارِيخِ وَتَوْأَمَةُ المُلُوكِ، إِنَّهَا الأُمُّ الَّتِي تَعْتَصِرُ مِنْ دَمْعِهَا لِتُضِيءَ عَتَمَاتِ الوَطَنِ!
*الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ*
الأُرْدُنُّ تِلْكَ البُقْعَةُ المُبَارَكَةُ وَقَارًا، بُقْعَةٌ تَخْتَزِلُ فِي تَجَاعِيدِ سِيقَانِهَا سَرْدِيَّاتِ أَجْيَالٍ عَبَرُوا البَرَّ وَالبَحْرَ، وَهَزَمُوا غُزَاةً مَرُّوا وَرَحَلُوا، وَتَبْقَى الأُرْدُنُّ عَرُوسَ الأَرْضِ شَاهِدَةً وَشَهِيدَةً بِذَاتِهَا وَلِذَاتِهَا وَعَلَى ذَاتِهَا!
*الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ*
يَقِفُ الأُرْدُنُّ كَشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ مُتَأَنِّقًا مُتَأَلِّقًا شَامِخًا لَا مُدَنْقًا… وَصْفُ تَصَافِيفِ جِبَالِهِ وَقِلَاعِهِ كَشَعْرِ العَرُوسِ المُتَدَلِّيَةِ عَلَى كُتُوفِ قُصُورٍ عَامِرَةٍ: بَسْمَانَ وَرَغْدَانَ وَزَهْرَانَ.. إِنَّهَا أَرْضُ الكَرَامَةِ وَالبُطُولَةِ، وَنَرَى العِزَّ يَتَقَطَّرُ مِنْ جَنَبَاتِهَا!
*الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ*
تَشِيخُ الأَرْضُ وَتَهْرَمُ وَتَبْقَى الأُرْدُنُّ العَظِيمَةُ أَيْقُونَةَ العَطَاءِ… وَاللَّهِ لَنْ نُعْطِيَ الدَّنِيَّةَ فِي إِرْثِ الآبَاءِ وَالأَجْدَادِ، نَعَمْ “غَرَسُوا فَأَكَلْنَا وَنَغْرِسُ فَيَأْكُلُونَ”، لَقَدْ كَانَتِ الأُرْدُنُّ بِدَايَةَ فَرَحِ الأَرْضِ وَسَتَبْقَى مِيرَاثَ الأَرْضِ وَعُودَ مِحْرَاثِهَا.
*الرِّوَايَةُ الخَامِسَةُ*
الوَقْتُ وَاعِظٌ.. وَثَمَنُ نُكْرَانِ الأُرْدُنِّ وَجُحُودِهَا بَاهِظٌ، إِنَّهَا مَدْرَسَةُ الحَيَاةِ، وَبِلِسَانِ حَالِهَا تَقُولُ: “أَتَيْتُكُمْ وَبِيَدِي وَرْدٌ وَحُرُوفٌ.. أَتَيْتُ مُمْتَطِيًا صَهْوَةَ العَطَاءِ.. أَنَا الأُرْدُنُّ فَوْقَ الثَّرَى قَامَتِي، وَتَحْتَ الثَّرَى حَبْلُ سُرَّتِي وَمَشِيمَتِي، أَنَا الأُرْدُنُّ وَفِي السَّمَاءِ تُنَاطِحُ السَّحَابَ هَامَتِي، وَتَحْتَ ظِلَالِ تَضْحِيَاتِ أَبْنَائِي يَمْشِي رَكْبُ العَرَبِ، أَنَا الأُرْدُنُّ أُعْطِي العُرُوبَةَ نُورًا، أَنَا مَنْ يَرْسُمُ عَلَى الأَرْضِ ابْتِسَامَةَ الوَطَنِ!”
*الرِّوَايَةُ السَّادِسَةُ*
الأُرْدُنُّ حَاضِنَةُ أَطْهَرِ غِرَاسِ اللَّهِ، حَاضِنَةُ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ”، الأُرْدُنُّ أَرْضُ الشُّجَيْرَاتِ المُبَارَكَةِ الَّتِي تُجَسِّدُ رَمْزِيَّةَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَالإِنْسَانِ، إِنَّهَا صُلْبَةٌ بِصَلَابَةِ أَهْلِهَا وَارْتِبَاطِهِمْ بِالهُوِيَّةِ، إِنَّهَا أَرْضُ مَسْقَى الكِبْرِيَاءِ وَحِيَاضِ الشُّمُوخِ وَجَبْهَةِ الصُّمُودِ، إِنَّهَا أَرْضُ الزَّيْتُونِ الَّذِي لَا يَبْكِي أَهْلُهُ وَلَا يَضْحَكُ.
*الرِّوَايَةُ السَّابِعَةُ*
الأُرْدُنُّ مَهْدُ الأَدَبِ وَجِرَابُ الشَّذَبِ وَمُرُوُّ الرُّتَبِ وَدَوَاةُ العَجَبِ وَكِنَانَةُ القَلَمِ وَالكُتُبِ، إِنَّهَا الأُرْدُنُّ جَدْوَلُ الفَخَامَةِ وَفِهْرِسُ الحَشَامَةِ، أَهْدَابُهَا تُظَلِّلُ جَفْنَيْهَا وَلَا تَخْلَعُ ثَوْبَهَا إِلَّا فِي لَحْدِهَا، تَقِفُ كَأَنَّهَا جَالِسَةٌ وَهِيَ دَائِمَةُ الوُقُوفِ، وَتَجْلِسُ كَأَنَّهَا وَاقِفَةٌ وَلَكِنَّهَا لَا تَجْلِسُ أَبَدًا!
*الرِّوَايَةُ الثَّامِنَةُ*
خُلِقَ الأُرْدُنُّ لِيَكُونَ أَقْوَى بِتَنَوُّعِ لُغَاتِ وَلَهَجَاتِ أَهْلِهِ وَغَزَارَةِ ثَقَافَاتِهِمْ، إِنَّهُ الأَقْوَى دَوْمًا وَقُوَّةُ حُجَّتِهِ فِي مَنَابِرِهِ، الأُرْدُنُّ سَيِّدُ الحُضُورِ النَّظِيفِ وَالصَّرِيحِ المُسْتَقِيمِ، فَالأَوْطَانُ لَا عُمْرَ لَهَا، فَكَمْ وَكَمْ انْسَابَتْ بُقَعُ الأَلَمِ عَلَى أَرْضِهِ؟ وَكَمْ أُعْتِقَتْ نُفُوسٌ وَأَرْوَاحٌ مِنَ الأَوْجَاعِ جَلَسَتْ عَلَى مَوَائِدِهِ؟ وَكَمْ اطْمَأَنَّتْ أَنْفُسٌ بِرَحَابَةِ صَدْرِ أَهْلِهِ؟ وَكَمْ اتَّسَعَ لِكُلِّ مَا يَجُولُ فِي خَوَاطِرِ المُهَجِ وَالأَقْلَامِ؟ وَكَمْ تَحَمَّلَ الأُرْدُنُّ عَثَرَاتِ الأَوْفِيَاءِ وَكَذِبَ الوُجُوهِ الزَّائِفَةِ الَّذِينَ أَغْرَقُوهَا بِالحُبِّ المُشَوَّهِ وَالوَطَنِيَّاتِ الغَادِرَةِ؟ كَمْ مِنْ جَاءَهَا أَوْ عَاشَ بِهَا أَوْ عَبَرَهَا مُثْخَنًا بِالجِرَاحِ وَالأَحْزَانِ وَالوَيْلَاتِ وَعَاشَ بِهَا آمِنًا مِنْ جُوعٍ وَآمِنًا مِنْ خَوْفٍ، ثُمَّ غَادَرَهَا جَاحِدًا نَاكِرًا قَادِحًا جَارِحًا رَغْمَ مَا حَمَلَ وَحُمِّلَ وَيَحْمِلُ مِنْ خَيْرَاتِهَا.
*الرِّوَايَةُ التَّاسِعَةُ*
فَالوَقْتُ لَا يَرْحَمُ غَفْلَتَنَا، وَلَا يَمْنَحُنَا فُرْصَةَ أَخْذِ العِبَرِ وَالدُّرُوسِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَرِدَّ أَثْمَانَهَا مِنْ أَعْمَارِنَا، وَيَكْشِفُ الحَقَائِقَ بَعْدَ أَنْ نَسْتَنْزِفَ أَرْوَاحَنَا فِي الأَوْهَامِ. وَالمَأْسَاةُ لَيْسَتْ أَنْ نَتَعَلَّمَ مُتَأَخِّرِينَ، بَلْ أَنْ نُدْرِكَ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً حِينَ لَا يَبْقَى لَدَيْنَا مَا يَكْفِي مِنَ العُمْرِ لِتَصْحِيحِ مَا أَفْسَدَتْهُ البِدَايَةُ.
*الرِوايةُ الخُلَاصَةِ
لَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا أَنْ تَكُونَ أُرْدُنُّنَا (أَرْضَ اللَّهِ المُخْتَارَةِ)، فَنَحْنُ لَمْ نَخْتَرْ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَنَا، لَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا أَنْ تَكُونَ أَكْتَافُنَا مَحَامِلَ لِجِرَابِ البَنَادِقِ، إِمَّا حَرْبًا وَإِمَّا سَلَامًا نِيَابَةً عَنِ الأُمَّةِ!
لَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا وَقَبِلْنَا خِيَارَ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ أَعْنَاقُنَا مُعَلَّقَةً فِيهَا أَمَانَاتٌ وَأَرْوَاحُ الشُّعُوبِ المُشَرَّدَةِ قَهْرًا وَقَسْرًا وَالبَاحِثِينَ عَنِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ وَلُقْمَةِ العَيْشِ الشَّرِيفِ!
لَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا أَنْ نَكُونَ شَوْكَةً فِي حُلُوقِ المُنْدَسِّينَ وَأَنْ نَفْضَحَ مُؤَامَرَاتِ المُتَآمِرِينَ وَمَرْجِعِيَّاتِ المُتَاجِرِينَ بِالأَوْطَانِ مِنْ خَلْفِ الكَوَالِيسِ، وَقَدَّرَ لِأَرْضِنَا أَنْ تَنْبُتَ بِالدِّفْلَى لِنَسْقِيَهُ لِلمَارِقِينَ، كَمَا هُوَ شَوْكُ البَلَّانِ قُدِّرَ لِيَتَجَرَّعَهُ المُرْتَزِقَةُ وَالجُبَنَاءُ وَالأَنْذَالُ وَالعُمَلَاءُ وَأَصْحَابُ أَجِنْدَاتِ الخِزْيِ وَالعَارِ!
إِنَّهُ وَطَنُنَا نُحَافِظُ عَلَيْهِ بِأَرْوَاحِنَا وَنَعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ وَنَتَمَسَّكُ بِمَلِيكِنَا وَهَاشِمِيَّتِنَا وَنَفْدِي جَيْشَنَا بِالنَّجِيعِ وَنَحُفُّ وَنَزُفُّ مُخَابَرَاتِنَا وَأَمْنَنَا فَوْقَ الرُّؤُوسِ وَنَتَضَرَّعُ لِلَّهِ أَنْ يَحْمِيَ وَطَنَنَا تُرَابًا وَقِيَادَةً وَشَعْبًا مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ!