ناطق نيوز

الدكتور جعفر المعايطة يكتب..يا بُنَيَّ، إنَّها حُروبُ السِّيادَةِ

يا بُنَيَّ، إنَّها حُروبُ السِّيادَةِ

ناطق نيوز- كتب الدكتور جعفر المعايطة

يا بُنَيَّ،
رُبَّما تَنْتَهِي حُروبُ الاقتتالِ، لكِنَّ سِلْسِلَةَ حُروبِ السِّيادَةِ لَنْ تَنْتَهِي، فالأخِيرُ أَشَدُّ ضَراوَةً مِن كُلِّ الحُروبِ، وفي حَربِ السِّيادَةِ يا وَلَدِي تَتَوالى فُصولٌ أَشَدُّ وَجَعًا مِن زِحامِ البَنادِقِ، وأَنْكى مِن اعتراضِ المُسَيَّراتِ، وأَكْثَرُ هَيْبَةً مِن مَعارِكِ الاستِقلالِ، يا بُنَيَّ إنَّها قِصَّةُ حَربِ سِيادَةِ وَطَنٍ بَرًّا وبَحْرًا وجَوًّا، سِيادَةٌ تُروى في طابورِ الأركانِ السِّياديِّ الوَطَنِيِّ الأُرْدُنِيِّ، وتُقْرَأُ رِسالَتُها بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ هي: (المَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةُ).

يا بُنَيَّ،
إنَّها جاهِزِيَّةُ سِيادَةٍ تُسْقى بِتَضْحِياتِ الأَشاوِسِ مِن نَشامى المُخابَراتِ العامَّةِ، إنَّها سَرْدِيّاتٌ أُرْدُنِيَّةٌ هاشِمِيَّةٌ تَضُخُّ دَمًا نَقِيًّا مِن شِرْيانِ الشُّرَفاءِ، فَفِي مِيزانِ السِّيادَةِ إنَّ كِفَّةَ المِيزانِ تَرْجَحُ بِثِقَلِ عِبارَةٍ أَثْقَلَ مِن الجِبالِ الشَّامِخاتِ: “لَنْ نَرْكَعَ، لَنْ نَخْضَعَ”.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ سِيادَةٍ، نَموتُ مِن أَجْلِها، إنَّها قِبْلَةُ الحَياةِ، شِعارُنا فيها: (كُنْ أَو لا تَكُونْ)، إنَّها حَربُ المِخاضِ العَسِيرِ، حَيْثُ تُولَدُ فيها ضَمائِرُ الأَنْقِياءِ، وفِيهِ يَتَصَبَّبُ عَرَقُ جِباهِ الأَوْفِياءِ، إنَّها جِدارِيَّةٌ مَخْطوطَةٌ بِأَحْبارِ أَقلامٍ ومِدادِ أَهْلِ العَزْمِ الأَصْفِياءِ، إنَّهُم نَشامى المُخابَراتِ العامَّةِ بِقِيادَةِ سَيِّدِ البِلادِ المَلِكِ الوَفِيِّ النَّقِيِّ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي، ووَلِيِّ عَهْدِهِ الأَمِينِ، حَفِظَهُما اللهُ ورَعاهُما.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ سِيادَةِ الأُرْدُنِّ، ونحنُ بها حُكْمًا، عَبَثًا أَنْ يَكُونَ الأُرْدُنِيُّ الأَنِيفُ فيها حِيادِيًّا، ولا مَناصَ مِنها، حَربٌ واجَهَتْها أَقلامُ الحُكَماءِ مِن أَبْطالِ الجُنْدُوِيلِ يَدًا بِيَدٍ مَعَ بَنادِقِ النَّشامى السَّيْبِرانِيِّينَ، بِقِيادَةِ مَهاراتٍ ودِبْلُوماسِيّاتِ سَيِّدِي المَلِكِ الهاشِمِيِّ الحَكِيمِ، الَّذِي نَشَلَ وبِامْتِيَازٍ الوَطَنَ مِن أَعْماقِ خَنادِقِ الطّاوِلَةِ الرَّمْلِيَّةِ القِتالِيَّةِ إلى دائِرِيَّةِ الطّاوِلَةِ الحِوارِيَّةِ.

يا بُنَيَّ،
إنَّ حَربَ السِّيادَةِ حَربُ الشُّرَفاءِ، أَصالَةً عَنْ أَنْفُسِهِم، وإنابَةً عَنَّا، فَمِنْهُم يَدٌ تَحْمِلُ البُنْدُقِيَّةَ مَعَ سَبّابَةٍ عَلَى الزِّنادِ في مَعْمَعَةِ أَزِيزِ الرَّصاصِ، ومِنْهُم يَدٌ تَحْمِلُ المِدادَ والقَلَمَ في جَعْجَعَةِ صَرِيرِ الأَقْلامِ، ومِنْهُم ضَمائِرُ تُصَفِّي وتُنَقِّحُ وتُحَلِّلُ وتُفَلْتِرُ المَعْلوماتِ في مَغْمَغَةِ جَرِيشِ الحَناجِرِ، هُمُ البُوصَلَةُ عِنْدَما تَتَشَتَّتُ الاتِّجاهاتُ، إنَّهُم حُكَماءُ وشُرَفاءُ الوَطَنِ، إنَّهُم أُسودُ المُخابَراتِ العامَّةِ (هامَةُ الوَطَنِ وقامَةُ تُرابِهِ)، هُم مَن يَجْعَلونَ مِن اللَّوْعاتِ أَهازيجَ وروْعاتٍ، ويَرْسُمونَ مِن شَغَفِ المَيْدانِ فَخْرَ الذِّكْرَياتِ، ويَسْتَلّونَ مِن صُوَرِ النِّزالِ قَراطِيسَ كَرارِيسَ فَتُصْبِحُ دُروسًا وعِبَرًا، إنَّهُم حُكَماءُ (وَقُلْ جاءَ الحَقُّ) يَبْنونَ مِن تَحْتِ رُكامِ الأَمانِي والآمالِ عِزًّا يَطالُ فَوْقَ قِمَمِ الجِبالِ.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ سِيادِيَّةِ الدَّوْلَةِ، وهي الزّاويَةُ المُخْفِيَّةُ في مِرآةِ سِيادَةِ الوَطَنِ، لا يَراها إلّا مَن يَقِفُ عَلى شُرُفاتِ الوَطَنِ مِن أَهْلِ العَزْمِ والعَزِيمَةِ والعُزومِ والأَمانَةِ والوِصايَةِ والدِّرايَةِ، إنَّهُم سَراةُ المُخابَراتِ، هُمُ الَّذِينَ يَعْصِرونَ الزَّيْتونَ لِيُعْطِيَ أَنْفَسَ ما فيهِ زَيْتًا، وفيهِ الغِذاءُ، ويَعْصِرونَ الوَرْدَ لِيُعْطِيَ أَثْمَنَ ما فيهِ عِطْرًا، وفيهِ الرَّخاءُ، ويَعْصِرونَ خَلِيَّةَ النَّحْلِ فَتُعْطِيَ أَغْلى ما فيها الشَّهْدَ، وفيهِ الغِذاءُ والدَّواءُ والشِّفاءُ، وفي حَربِ السِّيادَةِ وعِنْدَما تَشْتَدُّ مِحَنُ الوَطَنِ يُعْطونَ أَجْمَلَ وأَثْمَنَ وأَنْفَسَ ما فيهِ، وهذِهِ هَمْسَةٌ في أُذُنِ سَراةِ رِجالِ ونَشامى المُخابَراتِ: أَنْتُمُ النَّجِيعُ.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ السِّيادَةِ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنها مَوْقِفُ ثَباتٍ لا يَلينُ، وعَزْمٌ لا يَسْتَكِينُ، ووَعْيٌ لا يَنْخَدِعُ، اعْلَمْ يا بُنَيَّ أَنَّ حَربَ السِّيادَةِ لا تَعْرِفُ العاطِفَةَ، وتَرْفُضُ التَّرَدُّدَ، وتَمْقُتُ الحِيادِيَّةَ، فالخَطَأُ فيها قاتِلٌ، فَهِيَ حَربُ المَوْقِفِ الحاسِمِ، لا رَمادِيَّةَ فيها، فَهِيَ سَبَقَتْ حُروبَ الـ(AI)، وقَد تَعَدَّتْ حُروبَ الـ(AGI)، إنَّها حَربُ الهُوِيَّةِ.

يا بُنَيَّ،
حَربُ السِّيادَةِ حَربُ كَرامَةٍ مُحْكَمَةٍ حَكِيمَةٍ، حِكْمَتُها اليَقِظَةُ والوَعْيُ والانْحِيازِيَّةُ لِلْوَطَنِ تُرابًا وقِيادَةً، وَقودُها التَّضْحِياتُ المَعْنَوِيَّةُ والمادِّيَّةُ، وقَد تَبْلُغُ تِلْكَ التَّضْحِياتُ حَدَّ العَيْشِ عَلى كِسْرَةِ خُبْزٍ وماءٍ مُقابِلَ السِّيادَةِ والكَرامَةِ.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ القَرارِ السِّيادِيِّ، ولَيْسَتْ حَربَ المَشاعِرِ، إنَّها حَربُ القامَةِ الوَطَنِيَّةِ، حَربٌ يَكونُ فيها إِشْباعُ الكَرامَةِ أَوْلى مِن إِشْباعِ الأَمْعاءِ الخاوِيَةِ، حَربٌ يَكونُ فيها ماءُ السِّيادَةِ هُوَ مَن يَحْفَظُ ماءَ الوَجْهِ.

يا بُنَيَّ،
الحَربُ السِّيادِيَّةُ لا تُداوِي جِراحَ مَن يَعْتَلونَ سَنامَ المَجْدِ فيها فَقَط، بَل تَبْعَثُ الحَياةَ في كُلِّ مَن يُؤْمِنُ بها مِن جَديدٍ، وتَتْرُكُ نُدوبًا وتَقَرُّحاتٍ عَلى وُجوهِ المُرْجِفينَ والمُتآمِرينَ، وجِراحًا لا تَنْدَمِلُ في صُدورِ المُتَوَرِّطينَ بِأَجِنْدَةٍ خارِجِيَّةٍ، ولا زالَ في ذاكِرَةِ الوَطَنِ هَوامِشُ مُغْلَقَةٌ لأَصْحابِ أَجِنْدَةٍ مَوْبُوءَةٍ مِن المُخْجِلِ فَتْحُها.

يا بُنَيَّ،
إنَّها حَربُ السِّيادَةِ والسُّؤْدُدِ، حَربٌ يَجِبُ فيها مُحارَبَةُ الإِشاعاتِ، ويَجِبُ تَعْرِيَةُ ما نُسِجَ مِن زَيْفِ الحِكاياتِ، وتَكْذِيبُ كُلِّ ما مِن شَأْنِهِ اغْتِيالُ المَقامَاتِ، وتَضْمِيدُ جِراحِ الأَبْطالِ، وإِطْراءُ وذِكْرُ البُطولاتِ، ورَفْعُ القُبَّعاتِ لِرُموزِ التَّضْحِياتِ، نَشامى المُخابَراتِ، وتَعَقُّبُ مَصادِرِ الكَذِبِ والدَّجَلِ وهَدْمِ المَعْنَوِيّاتِ.

يا بُنَيَّ،
مَعَ حَربِ السِّيادَةِ تَرْبُو الكَرامَةُ ويَنْمو الأَمَلُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ ثَمَنِ التَّضْحِياتِ، فَأَرْباحُ الكَرامَةِ والإِباءِ تَبْقى مَحْفورَةً في ذاكِرَةِ الشُّعوبِ، إنَّ حَربَ السِّيادَةِ أُنْمُوذَجٌ أَخْلاقِيٌّ تُجَسِّدُ القِيَمَ العُلْيا لِكِبْرِياءِ وشُموخِ الوَطَنِ، فَحَربُ السِّيادَةِ حَربٌ غَيْرُ عادِيَّةٍ، لَيْسَتْ طارِئَةً أَوِ اسْتِثْنائِيَّةً، بَل إنَّها حَربُ (أَفاعي المُشَكِّكينَ) غَيْرُ أَخْلاقِيَّةٍ، فَلا تَدْرِي فيها مَنْ هُوَ عَدُوُّكَ، مُنافِقونَ مُتآمِرونَ مَأْجورونَ هُنا وهُناكَ، رُبَّما لا نُمَيِّزُهُمْ، في حينِ أَنَّ أَقْلامَهُمُ السّامَّةَ في ظَهْرِ الوَطَنِ، وحِرابَهُمُ القَذِرَةَ في خاصِرَةِ الوَطَنِ.

يا بُنَيَّ،
حَربُ السِّيادَةِ دائِمًا تَرْتَكِزُ عَلى نُضوجِ الوَعْيِ وعَظَمَةِ الشُّعورِ بِالمَسْؤولِيَّةِ، فَالمُواطِنُ شَرِيكٌ أَصِيلٌ في هذِهِ المَعْرَكَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ مَعْرَكَةَ جَيْشٍ أَو دَوْلَةٍ أَو صاحِبِ قَرارٍ أَو مَلِكٍ فَحَسْب، بَل هِيَ مَعْرَكَةُ الجَمِيعِ، مَعْرَكَةُ وَعْيِ التّاجِرِ في أَمانَتِهِ، ومَسْؤولِيَّةِ المُعَلِّمِ في رِسالَتِهِ، ووَعْيِ المُواطِنِ في مُواطَنَتِهِ، وإِخْلاصِ عامِلِ الوَطَنِ في عَمَلِهِ، إنَّها مَعْرَكَةُ كُلِّ مُواطِنٍ يُؤْمِنُ بِوَطَنِهِ وقِيادَتِهِ، ويَضْطَلِعُ بِأَدْنى مَسْؤُولِيّاتِهِ الوَطَنِيَّةِ في وَقْتِ الشَّدائِدِ والأَزَماتِ.

يا بُنَيَّ،
إنَّ مَعْرَكَةَ السِّيادَةِ مَعْرَكَةٌ عَجِيبَةٌ، ويَزْدادُ عَجَبُها عِنْدَما تَضَعُ هذِهِ الحَرْبُ أَوْزارَها، وتَعْلَمُ يا بُنَيَّ حينَها أَنَّها حَرْبٌ لا تَقْبَلُ القِسْمَةَ عَلى اثْنَيْنِ، ولا تَرْحَمُ التَّخاذُلَ، ولا تَعْرِفُ الانْكِسارَ، إنَّها حَرْبُ التَّلاحُمِ بَيْنَ الوَطَنِ والمُواطِنِ، وبَيْنَ القَلَمِ والبُنْدُقِيَّةِ، وبَيْنَ القائِدِ والشَّعْبِ، وبَيْنَ العَظَمَةِ والتَّضْحِيَةِ، إنَّها حَرْبِي وحَرْبُكَ، إنَّها مَعْرَكَتُنا الفاصِلَةُ في الانْحِيازِ لِلْوَطَنِ مَعَ قائِدِ الوَطَنِ جَلالَةِ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي بْنِ الحُسَيْنِ، ووَلِيِّ عَهْدِهِ سُمُوِّ الأَمِيرِ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي، حَفِظَهُما اللهُ.

حَمى اللهُ الأُرْدُنَّ تُرابًا ومَلِكًا ووَلِيَّ عَهْدٍ وجَيْشًا وشَعْبًا

من رسائلِ أَبٍ لِابْنِهِ