الدكتور جعفر المعايطة يكتب…هَمَسَاتٌ مِنَ الكَرَكِ

هَمَسَاتٌ مِنَ الكَرَكِ
ناطق نيوز-كتب الدكتور جعفر المعايطة
تَقُولُ الكَرَكُ:
“شَرَفُ الكَرَكِ فِي سَتْرِ عَبَاءَةِ الكَرَكِ يَحْمِلُهَا كُلُّ أَبْنَاءِ الكَرَكِ كَمَا حَمَلَهَا أَبْنَاؤُهَا الأَوَّلُونَ” لَنْ تَكُونَ الكَرَكُ مِثَالِيَّةً إِلَّا إِذَا كَانَ أَبْنَاؤُهَا أَكْثَرَ رَحْمَةً وَتَسَامُحًا وَحِكْمَةً وَجَمَالًا وَمَوَدَّةً وَسَلَامًا لِيَعِيشَ الجَمِيعُ فِيهَا كُلٌّ لِيَبْقَى الأَثَرُ طَيِّبًا!
تَقُولُ الكَرَكُ:
مِنْ أَجْلِ طَبْعِ قُبْلَةِ حَيَاةٍ عَلَى جَبِينِ الكَرَكِ نَتَدَافَعُ، لَا عَلَيْهَا نَتَصَارَعُ وَلَا عَلَى زَعَامَتِهَا نَتَنَازَعُ، إِنَّهَا الكَرَكُ كَبُرْنَا فِيهَا وَبِهَا وَلَهَا وَمِنْ أَجْلِهَا وَلَا نَكْبُرُ عَلَيْهَا!
تَقُولُ الكَرَكُ:
إِنَّهَا كَرَكُ الجَمِيعِ، أَهْلُهَا أَدْنَاهُمْ أَعْلَاهُمْ وَكُلُّهُمْ فِي العُلْيَا، أَبْقَاهُمْ أَحْلَاهُمْ وَكُلُّهُمْ فِي الحَلَا سَوِيَّةً، لِيَكُنِ الخُضْرُ شَاهِدًا وَلْتَحْصُدِ السَّنَابِلُ الخَضْرَاءُ وَلْتَتَكَلَّمِ السَّمَاءُ الزَّرْقَاءُ وَلْتَهْتَزَّ الأَرْضُ السَّمْرَاءُ وَلْتُخَلَّدْ كُلُّ الأَسْمَاءِ عَلَى حِجَارَةِ الكَرَكِ الصَّمَّاءِ!
تَقُولُ الكَرَكُ:
وَلْتَكُنْ وَثِيقَتُنَا كُلُّنَا الكَرَكُ الشَّامِخَةُ، رِبْقَةُ فِكْرِ المُفَكِّرُونَ، وَثَكَنَةُ الحِكْمَةِ وَالحُكَمَاءِ صَانِعُ القَادَةِ العُظَمَاءِ، أَهْلُ طَاوِلَةِ الحِوَارِ، صُقُورُ القِمَمِ الشَّامِخَاتِ أُسُودُ القَلْعَةِ أَشْيَاخُ القِمَّةِ وَبِيضُ العَمَائِمِ مَحَارَاتُ البَحْرِ، أَهْلُ الحَلِّ وَأَفْوَاهُ التَّضْحِيَاتِ، إِنَّهَا وَرْدِيَّةُ المُطَلَّاتِ وَسَرْدِيَّةُ الأُدَبَاءِ، الكَرَكُ خَشْمُ العُقَابِ لِلوَطَنِ خَمِيرَةٌ وَكِيمْيَاءُ!
تَقُولُ الكَرَكُ:
إِنَّهَا كَرَكُ هَامَةِ العِزِّ وَالمَجْدِ وَصِيَّةٌ بِذَاتِهَا وَلِذَاتِهَا وَلَا وَصَايَةَ عَلَيْهَا، إِنَّ أَعْرَافَ أَسْبَارٍ وَعُلُومَ وَعَادَاتِ وَتَقَالِيدِ الكَرَكِ مَجْدُولَةٌ مِنْ خَمَائِلِ تَضْحِيَاتٍ وَبُطُولَاتِ أَهْلِهَا، كَرَكُ الإِنْسَانِ تَرْجُمُ النَّزَقَ وَتَكْرَهُ التَّنَمُّرَ وَتَلْعَنُ التَّطَرُّفَ وَتُدِينُ الطَّمَعَ، وَتُحَارِبُ الجَشَعَ وَالبَشِعَ!
صَاحَتِ الكَرَكُ:
يَا أَبْنَائِي أَمَا مِنْكُمْ رَشِيدٌ، وَكَيْفَ تَصْمُتُ فِيكُمْ مِطْرَقَةُ الحِكْمَةِ؟ وَكَيْفَ تَسْكُتُ بَيْنَكُمْ سِنْدَانَةُ الأَثَرَةِ؟ وَكَيْفَ تَغِيبُ فِيكُمْ أَقْلَامُ النُّصْحِ؟ وَكَيْفَ تُغَطِّي فِيكُمْ ضَبَابِيَّةُ الفِتْنَةِ؟ كَيْفَ مَا بَرِحَتِ الكَرَكُ لِتَنْسَى آهَاتِ الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ عَلَى أَبْوَابِ كَنِيسَةِ حَمُّودَ؟ وَكَيْفَ مَا لَبِثَتْ أَنْ جَفَّتْ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ بَعْدُ الَّتِي تُلَامِسُ شَجَنَ الأَرْوَاحِ فِي قَلْعَةِ العِزِّ وَالكَرَامَةِ!
قَالَتِ الكَرَكُ:
فَارَتِ الأَحْبَارُ وَسَالَتْ عَنِيدَةً مُتَمَرِّدَةً هَاجَتْ فِي وِدْيَانِ الكَرَكِ فِي سُهُولِهَا فِي جِبَالِهَا فِي بُيُوتِهَا فِي قُرَاهَا حَتَّى دَاخِلَ دَهَالِيزِ قَلْعَتِهَا تَبْحَثُ عَنْ قَرَاطِيسَ، فَمِنَّا مَنِ انْكَبَّ عَلَى كُتَيِّبٍ يُمَزِّقُ مِنْهُ قِرْطَاسًا فِيهِ مَكْنُونَاتٌ صَغِيرَةٌ، وَمِنَّا مَنْ يَقْتَاتُ فُتَاتَ بُطُولَاتٍ مَا عَاصَرْنَا صَانِعُوهَا، وَمِنَّا مَنْ تَقَوْقَعَ فِي سَرْدِ قِصَصٍ مَنْزُوعَةِ البِدَايَةِ وَمُشَوَّهَةِ النِّهَايَةِ، وَمِنَّا مَنْ جَلَسَ حَالِفًا حَانِثًا بِقَسَمِهِ إِلَّا أَنْ يُعَانِدَ التَّارِيخَ!
قَالَتِ الكَرَكُ:
فَقَطْ فِي الكَرَكِ تَتَوَالَدُ مُهَجُ القَبُولِ وَتُغَذَّى جِينَاتُ الاعْتِزَازِ بِمَا جَادَ بِهِ التَّارِيخُ عَلَى الكَرَكِ كَرٌّ وَفَرٌّ وَهَذَا الَّذِي يَتَجَانَسُ بِهِ الوَاقِعُ الأَصِيلُ، اعْلَمْ يَا ابْنَ الكَرَكِ أَنَّ هُنَاكَ فِي عَقْلِ كُلِّ كَرَكِيٍّ مُبْدِعٍ وَمُفَكِّرٍ وَقَائِدٍ مِيزَانًا يُنْصِفُ بِهِ صُورَةَ كَرَكِ الكَرَامَاتِ وَالرِّوَايَاتِ وَالحِكَايَاتِ وَالمُغَامَرَاتِ وَالبُطُولَاتِ وَالتَّضْحِيَاتِ، إِنَّهَا صُورَةُ كَرَكِ الجَمِيعِ الـ(نَحْنُ) لَيْسَتْ كَرَكَ (الأَنَا)!
أَصَابَتِ الكَرَكُ:
مَا أَجْمَلَ الأَحْبَارَ وَالحُرُوفَ الَّتِي تُغَذِّي وَتُثْرِي الأُخُوَّةَ وَالتَّآخِيَ وَالتَّكَاتُفَ وَالتَّعَاطُفَ وَالتَّعَاوُنَ وَالتَّعَايُشَ وَالتَّضَامُنَ، أَكِيدٌ لَنْ يَفُوتَنَا نَحْنُ أَبْنَاءَ الكَرَكِ أَمْجَادُ شَامَاتٍ وَقَامَاتٍ وَهَامَاتٍ سَرَتْ مَعَ هَامَاتِ الزَّمَانِ مُغَذِّيَةً وَرِيدَ قَلْبِ الكَرَكِ وَالقُلُوبِ المُفْعَمَةِ بِالحُبِّ وَالعَطَاءِ وَالمُرُوءَةِ وَالجِيرَةِ وَالشَّهَامَةِ وَالكَرَامَةِ وَالسَّلَامِ وَهَذِهِ هِيَ أَخْلَاقُ الكَرَكِ، فِيهَا يَعِيشُ المُبْدِعُونَ يَسْكُنُونَ قِمَمَ العَوَالِي، إِنَّهَا كَرَكُ رِجَالِ حُمَاةِ التُّرَابِ، فُرْسَانُ المَيَادِينِ، رَوَّضُوا الصَّحْرَاءَ، سُمْرَةُ بَشَرَتِهِمْ مِنْ سُمْرَةِ قَلْعَتِهَا، كَرَكُ المُلُوكِ وَشِيحَانُهَا مَطَلُّ الوَرَى، كَرَكُنَا رِمَاحُ حَرْبٍ هَاشِمِيَّةٌ، أَعِنَّةُ فُرُوسِيَّةٍ أُرْدُنِّيَّةٌ، سُرُوجُ هَاشِمٍ لَحْمِي وَطِيسِهَا، كُلُّنَا الكَرَكُ طُيُورُ شَلْوَى!
قَالَتِ الكَرَكُ:
الكَرَكُ لَيْسَ عَقْدَ قِرَانٍ يُفَكُّ فِي سَاعَةِ غَضَبٍ، وَلَيْسَتْ غُرَّةَ مَدًى تُقْتَلُ فِي فَوْرَةِ دَمٍ، الكَرَكُ لِمَنْ أَرَادَهَا فَهِيَ هِيَ الكَرَكُ حَاضِنَةُ الرَّحِمِ الإِنْسَانِيِّ، وَحَجَرُ أُمٍّ لِكَافَّةِ أَبْنَائِهَا وَالكُلُّ أَبْنَاؤُهَا، وَمَرْقَدٌ لِكَافَّةِ أَبْطَالِهَا، وَمَلَاذٌ صُنْعُ الرِّجَالِ سِيَاجُهَا، وَسِتْرٌ وَمَدٌّ وَصَاعٌ وَعَدْلٌ وَخُرْجٌ وَسِوَارٌ مُؤَابِيٌّ
تَارِيخُهَا، أَقُولُ وَالقَوْلُ لِي:-
الكَرَكُ دَارِي قَبْرِي وَمَنْزِلِي وَمَدْفَنُ سُرَّتِي وَمَشِيمَتِي
الكَرَكُ أَهْلِي نَاسِي وَيَا شَجَنِي وَمَسْقَطُ رَأْسِي وَدِيرَتِي
زَفَّتِ الكَرَكَ بَشَائِرُ سَارِي يَحْدُو هَاشِمُ لَآلِئِي وَدُرَّتِي
قَالَتِ الكَرَكُ:
لَيْسَ فِي الكَرَكِ أَقَلِّيَّاتٌ بَلِ الكُلُّ أَهْلٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَصْطَفُّ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ، رَغْمَ أَنَّهُمْ عَاشُوا مِئَاتِ الأَعْوَامِ تَحْتَ نَخْوَةِ الأَعْرَافِ وَالتَّقَالِيدِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلَامِيَّةِ الجَامِعَةِ فِي أَمْنٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَكُنَّا كُلُّنَا الجَامِعَةَ نَصُدُّ غُزَاةَ الكَرَكِ سَوِيَّةً وَكُنَّا كُلُّنَا الجَامِعَةَ نَسْتَقْبِلُ الأَضْيَافَ سَوِيَّةً فِي مَبَارَكِ جَمْعِنَا وَجَمْعَتِنَا وَآصَرَتِنَا وَمَحَبَّتِنَا وَتَمَاسُكِنَا وَتَعَاضُدِنَا وَتَعَاهُدِنَا وَتَعَانُقِنَا وَتَقَارُبِنَا!
قَالَتِ الكَرَكُ:
وَبَدَأَ البَعْضُ يُضَيِّقُونَ الخِنَاقَ عَلَى الكَرَكِ كَأَنَّهَا عَجُوزٌ مُسِنَّةٌ تُرَاقِبُ مِنْ طَاقَاتِ القَلْعَةِ تَتَحَسَّرُ وَتَتَأَلَّمُ مُتَسَائِلَةً هَلْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَائِي؟ فَتَنَهَّدَتِ الكَرَكُ وَشَهِقَتْ وَبَكَتْ، فَهِيَ تَبْكِي مِنْ أَجْلِنَا، هَيَّا كُلُّنَا نَحْتَضِنُهَا وَنَقُولُ “يَا عَيْنَ أُمِّي الكَرَكُ لَا تَبْكِي كُلُّنَا عِيَالُكِ”.
قَالَتِ الكَرَكُ:
وَعَلَى النَّشَامَى الصِّغَارِ وَأَنْتُمْ نَشَامَى مَكْبُورُونَ بِالرُّجُوعِ لِلكِبَارِ مِنْ عَلْيَاءِ كِبَارِ القَوْمِ العُلْيَا، الكَرَكُ كُلُّهَا عُلْيَا بُطُولَاتٍ وَمَقَامَاتٍ وَقُدُرَاتٍ وَإِمْكَانِيَّاتٍ وَمَهَارَاتٍ وَيَاقَاتٍ وَبَاقَاتٍ وَرِجَالُ حُرُوبٍ وَمُنَاوَرَاتٍ!
قَالَتِ الكَرَكُ:
تَكُونُ صَلَابَةُ الكَرَكِ فِي تَرْحِيبِ أَبْنَاءِ الكَرَكِ وَتَوْجِيبِ بَعْضِهِمُ البَعْضَ، إِنَّهَا كَرَكُ الأَمَانِي وَالمَوَاقِفِ، يَنَامُونَ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ وَيَشْرَبُونَ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ وَيَضْحَكُونَ سَوِيَّةً عِنْدَمَا تَضْحَكُ الكَرَكُ، وَيَبْكُونَ سَوِيَّةً عِنْدَمَا تَبْكِي الكَرَكُ، كَرَكُ القَرَارِ وَالإِقْدَامِ وَالجُرْأَةِ، فَشَمْسُ الكَرَكِ لِلجَمِيعِ ضِيَاءٌ وَقَمَرُ الكَرَكِ لِلجَمِيعِ بَدْرٌ، وَنُجُومُهَا تَتَنَاثَرُ فِي سَمَائِهَا وَلِلجَمِيعِ، إِنَّهَا كَرَكُ تَارِيخٍ جَمِيلٍ لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ نَنْحَنِيَ إِلَيْهِ، نَذْكُرُهُ دَائِمًا نَامُوسًا نَفْتَخِرُ فِيهِ..
حَفِظَ اللهُ الكَرَكَ بِحِفْظِهِ وَمَتَّعَ اللهُ أَهْلَهَا جَمِيعًا بِالصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ وَحَفِظَ اللهُ وَطَنَنَا وَقِيَادَتَنَا وَجَيْشَنَا وَأَمْنَنَا فِي ظِلِّ سَيِّدِ البِلَادِ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي بْنِ الحُسَيْنِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ الأَمِينِ.