ناطق نيوز

مهرجان جرش… رسالة دولة تنتصر للحياة في زمن الحروب

مهرجان جرش… رسالة دولة تنتصر للحياة في زمن الحروب

ناطق نيوز- كتب معاذ البطوش


في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا وتعقيدا، حيث تتسارع وتيرة الصراعات المسلحة، وتتعمق الأزمات السياسية والاقتصادية، وتخيم حالة من عدم اليقين على الإقليم بأكمله، يأتي انطلاق مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين ليؤكد حقيقة راسخة مفادها أن الأردن دولة تمتلك من الثقة والاستقرار ما يجعلها قادرة على تحويل الثقافة إلى رسالة سيادية، والفن إلى عنوان للأمن، والحياة إلى موقف سياسي في مواجهة ثقافة الخوف والعنف.


إقامة مهرجان بهذا الحجم، واستقبال آلاف الزوار والفنانين والمثقفين من مختلف دول العالم في ظل هذه الظروف الإقليمية الحساسة ليست مجرد فعالية ثقافية أو موسم فني بل هي إعلان عملي بأن الأردن بقيادته الهاشمية ومؤسساته الأمنية والعسكرية ما يزال واحة أمن واستقرار، وأن الدولة قادرة على حماية مكتسباتها، والحفاظ على استمرار الحياة الطبيعية رغم ما يحيط بها من تحديات.


سياسيا يحمل المهرجان دلالات تتجاوز المسرح والغناء والشعر فهو يؤكد أن الأردن يرفض الاستسلام لمنطق الأزمات، ويواصل ترسيخ صورته كدولة مستقرة ذات حضور إقليمي ودولي قادرة على تنظيم الفعاليات الكبرى، واستقطاب الوفود والزوار، وإرسال رسالة واضحة إلى العالم بأن الاستقرار الأردني ليس شعارا وإنما واقع تدعمه مؤسسات دولة قوية ورؤية سياسية حكيمة يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني.


أما أمنيا فإن نجاح تنظيم مهرجان جرش عاما بعد عام يعكس المستوى الاحترافي الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية الأردنية، وقدرتها على إدارة الحشود، وتأمين الفعاليات، وحماية الزوار، في بيئة إقليمية تشهد تهديدات أمنية متزايدة ويعزز ذلك ثقة المواطن والمستثمر والسائح بأن الأردن ما يزال الوجهة الأكثر أمنا واستقرارا في المنطقة.


وعلى الصعيد الاقتصادي فإن مهرجان جرش يمثل محركا حقيقيا للنشاط الاقتصادي إذ ينعكس مباشرة على قطاعات السياحة والفنادق والمطاعم والنقل والأسواق التجارية والصناعات الثقافية والحرفية ويوفر فرص عمل موسمية لمئات الشباب ويضخ ملايين الدنانير في الاقتصاد المحلي بما يعزز الحركة التجارية في محافظة جرش ومحافظات الشمال بشكل عام، ويؤكد أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الاقتصاد الوطني.


كما أن المهرجان يحمل بعدا استثماريا بالغ الأهمية فهو يقدم الأردن للعالم بوصفه بيئة مستقرة وآمنة وجاذبة للاستثمار. فالمستثمر يبحث أولا عن الأمن والاستقرار قبل أي حوافز أخرى، وعندما يرى دولة تستضيف مهرجانا دوليا بهذا الحجم وسط إقليم مضطرب فإن ذلك يشكل رسالة ثقة بأن الأردن يمتلك المقومات التي تؤهله لاستقبال الاستثمارات وحمايتها.


اجتماعيا يعزز المهرجان قيم التماسك الوطني، ويمنح الأردنيين مساحة للاحتفاء بالحياة والثقافة والهوية الوطنية، ويؤكد أن المجتمع الأردني قادر على مواصلة إنتاج الفرح رغم كل الظروف، كما يسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية، ودعم الفنانين والمبدعين، وربط الأجيال الجديدة بإرثها الحضاري والثقافي.


أما ثقافيا فإن جرش لم يعد مجرد مهرجان فني بل تحول إلى منصة عربية ودولية للحوار الثقافي والإبداع الإنساني يجمع الشعر والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والتراث الشعبي تحت مظلة واحدة، ويقدم صورة مشرقة عن الأردن باعتباره مركزا للإبداع والانفتاح والتنوع الثقافي، ويعزز القوة الناعمة للدولة الأردنية في محيطها العربي والإقليمي.


وفي ظل المشهد الإقليمي الراهن تزداد قيمة مهرجان جرش لأنه يبعث برسالة حضارية مفادها أن الثقافة ليست ترفا في أوقات الأزمات، وإنما إحدى أدوات الصمود الوطني، وأن الفن قادر على مواجهة خطاب الكراهية، وأن الحضارة أقوى من الحروب، وأن الشعوب التي تتمسك بثقافتها وهويتها تمتلك القدرة على تجاوز الأزمات.


إن مهرجان جرش اليوم ليس مجرد احتفال سنوي بل هو تجسيد حي لرسالة الدولة الأردنية التي تؤمن بأن الأمن والتنمية والثقافة تشكل منظومة واحدة لا تنفصل، وأن الحفاظ على نبض الحياة هو أحد أهم أشكال الانتصار في زمن الاضطرابات، ولذلك فإن استمرار المهرجان بهذا الزخم وسط محيط إقليمي ملتهب يعد إنجازا وطنيا بامتياز، ورسالة ثقة يوجهها الأردن إلى مواطنيه وإلى العالم، مفادها أن هذه الدولة ستبقى بقيادتها الهاشمية وشعبها ومؤسساتها، نموذجا للاستقرار ومنارة للثقافة وواحة للأمن مهما اشتدت العواصف من حولها.